موقع منتدى الدوايمة الاكتروني al-Dawayima تأسس 27 سبتمبر 2008

موقع منتدى الدوايمة الاكتروني al-Dawayima تأسس 27 سبتمبر 2008

أخبار .. بحث.. سياسة .. آدب .. ثقافة عامة .. حرية رأي .
 
الرئيسيةبوابة فلسطينالتسجيلالأعضاءدخول
من حروف أسم الدوايمة يتكون وطني الدوايمة(د .. دم)(و..وطني)( أ .. أوثقه)(ي.. يأبى)(م .. مسح )(هـ .. هويته) (دم وطني أوثقه يأبى مسح هويته)...نضال هدب


أن نسي العالم مجزرة الدوايمة أو تناسىى فان طور الزاغ الكنعاني سيظل شاهداً أميناً على المجزرةالمتواجدون الآن ؟
المواضيع الأخيرة
» كيف تخشـــع في صلاتك ؟
السبت أغسطس 05, 2017 3:52 am من طرف الشيخ جميل لافي

» البيع المُحرّم في الإسلام . الجزء الأول
الأحد مارس 06, 2016 1:45 am من طرف الشيخ جميل لافي

» إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشرّ ومنهم من يُهاب لله ومنهم إذا رؤوا ذُكر الله
السبت يناير 30, 2016 5:48 pm من طرف الشيخ جميل لافي

» مشروع وثيقــــة شـــرف عشائر الدوايمة”
الثلاثاء ديسمبر 08, 2015 3:24 am من طرف نضال هديب

» ادخل احصاء ابناء الدوايمة في الشتات
الإثنين نوفمبر 30, 2015 5:41 pm من طرف أدارة الدوايمة

» الدوايمة ليست قبيله ولا عشيرة
الإثنين نوفمبر 30, 2015 3:18 pm من طرف نضال هديب

» الدوايمة ..أنا لاجىء من فلسطين في الداخل والشتات اوقع لا تنازل عن حقي بالعودة
الإثنين نوفمبر 30, 2015 4:23 am من طرف نضال هديب

» لإحياء المجزرة التي تعرضت لها قريتهم «غزة» توقد ذاكرة أبناء الدوايمة وتدفعهم للتحرك قانونياً
الإثنين نوفمبر 02, 2015 5:45 pm من طرف نضال هديب

» مجزرة الدوايمة وصرخة الدم النازف.بقلم .نضال هديب
الخميس أكتوبر 29, 2015 10:54 am من طرف نضال هديب

» صباح الخير يا دوايمة
الخميس أكتوبر 29, 2015 1:24 am من طرف نضال هديب

» خربشات نضال . قال القدس لمين
الخميس أكتوبر 29, 2015 1:22 am من طرف نضال هديب

» المستوطنون يستعدون لاكبر عملية اقتحام للأقصى
الخميس سبتمبر 17, 2015 2:04 pm من طرف نضال هديب

» اخي ابن الدوايمة \ البوم صور لقاءات ومناسبات ابناءالدوايمة في الداخل والشتات
الخميس سبتمبر 17, 2015 1:44 pm من طرف نضال هديب

» اجمل ترحيب بالاعضاء الجدد الذين انظمو لقافلة منتديات الدوايمة وهم السادة
الخميس أغسطس 20, 2015 1:04 pm من طرف ahmad-lafi

» ما هوَ ثمن الجـنـّة ؟؟ .
الخميس أغسطس 06, 2015 7:18 pm من طرف الشيخ جميل لافي

» حرمة الإحتفال بعيد الأم المزعوم
الأربعاء مارس 18, 2015 5:13 pm من طرف الشيخ جميل لافي

» القناعة للشاعر عطا سليمان رموني
الأربعاء ديسمبر 24, 2014 11:04 am من طرف الشاعر عطا سليمان رموني

» قرية الدوايمة المغتصبة لا بديل عنها ولو بالقدس
الثلاثاء ديسمبر 23, 2014 3:08 pm من طرف أحمد الخضور

» عن حقي ابد ما احيد للشاعر عطا سليمان رموني
الإثنين ديسمبر 22, 2014 1:16 pm من طرف الشاعر عطا سليمان رموني

» بابي لعبدي مشرع للشاعر عطا سليمان رموني
الثلاثاء نوفمبر 25, 2014 8:25 am من طرف الشاعر عطا سليمان رموني

» الذكرى الـ97 لوعد بلفور المشؤوم
الأحد نوفمبر 02, 2014 9:14 pm من طرف نضال هديب

»  نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي موشيه فيغلن اقتحم الحرم القدسي
الأحد نوفمبر 02, 2014 9:09 pm من طرف نضال هديب

» يووم سقوط الدوايمة
الثلاثاء أكتوبر 28, 2014 9:37 pm من طرف نضال هديب

» حذاري ان تعبثوا بالوطن
السبت أكتوبر 25, 2014 9:34 pm من طرف نضال هديب

» اعلان وفاة زوجة الحاج عبد الحميد ياسين هديب وحفيدة ابن رامي عبد الحميد
الجمعة أكتوبر 24, 2014 9:32 pm من طرف نضال هديب

» جرح مجزرة الدوايمة يأبى الإلتئام بقلم نضال هديب
السبت سبتمبر 27, 2014 11:04 pm من طرف نضال هديب

» الدوايمة / كتاب توراة الملك ........ دليل لقتل الفلسطينيين
السبت سبتمبر 27, 2014 10:58 pm من طرف نضال هديب

» غداً السبت الموافق 27ايلول 2014 تحتفل بالعام السادس لتاسيس منتدى الدوايمة
الجمعة سبتمبر 26, 2014 3:27 pm من طرف نضال هديب

» أحاديث لا تصح في الأضحية وفي المسح على رأس اليتيم
الجمعة سبتمبر 26, 2014 1:34 am من طرف الشيخ جميل لافي

» فضائل صوم ست من شوال
الجمعة أغسطس 08, 2014 1:46 am من طرف الشيخ جميل لافي

» قرر الرئيس محمود عباس تشكيل الوفد الفلسطيني الى القاهرة كما يلي :-
السبت أغسطس 02, 2014 12:27 am من طرف نضال هديب

» بان كي مون يطالب بـ "الافراج فورا" عن الجندي الاسرائيلي الاسير
السبت أغسطس 02, 2014 12:17 am من طرف نضال هديب

» لقناة البريطانية العاشرة الجندي الاسراييلي الاسير بريطاني الجنسية
السبت أغسطس 02, 2014 12:12 am من طرف نضال هديب

» الاسير هدار غولدين ابن عم وزير الدفاع الاسرائيلي
الجمعة أغسطس 01, 2014 10:08 pm من طرف نضال هديب

» اسر الجندي الصهيوني الملازم الثاني هدار غولدين
الجمعة أغسطس 01, 2014 10:07 pm من طرف نضال هديب

» في ذكرى رحيل أمي
الجمعة أغسطس 01, 2014 6:20 pm من طرف نضال هديب

» ينعى موقع منتدى الدوايمة الاكتروني بشديد الحزن والاسى الجامعه العربية
الثلاثاء يوليو 29, 2014 2:34 am من طرف نضال هديب

» تضامنا مع غزة شبكة منتديات الدوايمة تدعوا اقتصار مظاهر العيد على الشعائر الدينية
السبت يوليو 26, 2014 7:45 pm من طرف نضال هديب

» توفيت الصحفية عزة سامي، نائب رئيس صحيفة الأهرام التي قالت «كتر خيرك يا نتنياهو ربنا يكتر
السبت يوليو 26, 2014 1:43 am من طرف نضال هديب

» أغنية الجندي المخطوف (شاؤول ارون)عملوها الفدائية
الخميس يوليو 24, 2014 9:14 pm من طرف نضال هديب

» اظرب اظرب تل أبيب
الخميس يوليو 24, 2014 9:09 pm من طرف نضال هديب

» أخوتي في غزة الصمود والله دمائكم عزيزة وابنائكم ابنائنا
الإثنين يوليو 21, 2014 4:08 am من طرف نضال هديب

» يوم اسود على اسرائيل مقتل قائد اللواء الجولاني واسر جندي صهيوني
الإثنين يوليو 21, 2014 3:13 am من طرف نضال هديب

» طلاق صلية صواريخ من مدينة صور جنوب لبنان اتجاه الجليل الاعلى ومدينة نهارية
الأحد يوليو 13, 2014 3:42 am من طرف نضال هديب

» التلفزيون الاسرئيلي المقاومة الفلسطينية فعلت مالاتفعلة الجيوش العربية
الأحد يوليو 13, 2014 1:52 am من طرف نضال هديب

» خبر عاجل القسام تمطر تل ابيب بصواريخ جديدة ج 80
الأحد يوليو 13, 2014 1:38 am من طرف نضال هديب

» هزة غربال
السبت يوليو 12, 2014 9:29 pm من طرف نضال هديب

» الخارجية الامريكية: اسرائيل اتخذت خطوات لمنع سقوط ضحايا بينما لم تفعل حماس ذلك
السبت يوليو 12, 2014 9:03 pm من طرف نضال هديب

» القيادة الفلسطينية: الأولوية لوقف العدوان
السبت يوليو 12, 2014 9:01 pm من طرف نضال هديب

» أردن الدولة «الأكثر إحراجا» بسبب العدوان الإسرائيلي
السبت يوليو 12, 2014 8:54 pm من طرف نضال هديب


شاطر | 
 

 دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
امل فلسطين
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
avatar

الدولة :


مُساهمةموضوع: دراسةأسطورة الحقوق التاريخية    الخميس مارس 03, 2011 1:09 am



دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية

الكاتب : روجيه غارودي

هذه الأرض هي المقر التاريخي لليهود» هذا ما أعلنته مذكرة المنظمة الصهيونية العالمية إلى مؤتمر السلام في جنيف عام 1919. ويؤكد إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 (أيار) عام 1948 أنها قامت في فلسطين «بفضل الحق الطبيعي والتاريخي للشعب اليهودي».
إن هذا المفهوم «للحقوق التاريخية» يرتبط، في الدعاية الصهيونية، بمفهوم «الوعد» بالأرض الذي يعطي للإسرائيليين «حقاً إلهياً» بامتلاك فلسطين والسيطرة عليها.
سنبحث المسألتين بصورة منفصلة: إن هذا الفصل سهل لأنه لا وجود لأي أثر له، خارج النصوص التوراتية، ولا في نصوص شعوب الشرق الأوسط، ولا في المخلفات الأثرية وقصص العهد القديم قبل القرن العاشر (قبل الميلاد). حتى إن عالماً شديد التعلق بإنقاذ تاريخية العهد القديم مثل الأب دوفو Le Pere devaux ، يعترف مثل الجميع أننا لا نجد خارج التوراة «أية إشارة واضحة لأرباب العائلات العبرية، وإلى الإقامة في مصر وإلى الخروج، حتى ولا إلى غزو أرض كنعان، ومن المشكوك فيه جداً أن يُكسر الصمت بنصوص جديدة»(1)
وإن موضوع «الوعد» بأرض فلسطين لم يظهر إلا في نصوص صادرة عن الذين يعتبرون أنفسهم مستفيدين منها. وتوصل محللون آخرون منذ قرن إلى استنتاجات أكثر جذرية، كما سنرى فيما بعد عند الحديث عن الأسطورة التوراتية «للوعد» لدى «فون Von Ra dونوث Nothوتومبسون وفان سيتيرز وألبير دوبوري».
الملاحظة الأولى التي تفرض نفسها، حين لا نكتفي بقبول الأجزاء «التاريخية» من العهد القديم، أن التاريخ العبري لا يظهر في أية لحظة مميزاً عن تاريخ الإمبراطوريات الكبيرة في بلاد ما بين النهرين من حثيين ومصريين، ودون أن يؤلف «مركز» التاريخ كما تزعم الأطروحة «الاستثنائية» للصهيونية السياسية المتناوبة مع نوع من التعليم المسيحي.
وخارج علم الآثار الذي يشهد على حضور الإنسان فيما يخص فلسطين، منذ عشرة آلاف سنة، إذا توقفنا عند المرحلة التاريخية التي توجد حولها وثائق مكتوبة يمكن أن نميز بصورة بيانية:
ـ إن العصر البرونزي القديم، في الألف قبل الميلاد، حيث يصادق ـ وأكثر من ذلك اكتشاف نصوص إبلاء، في عام 1976 ـ على وجود حضارة مدنية كبيرة في بلاد كنعان، مكونة من شعوب ذات لغات سامية من الغرب: مثل الآرامية و «لغة كنعان» التي ندعوها العبرية.
ـ ثم حقبة (2200ـ1900) المتميزة بدخول القبائل الرُّحَّل.
ـ تمدن جديد (1900 ـ 1500) في العصر البرونزي الوسطي.
ـ سيطرة مصرية اعتباراً من أوساط القرن السادس عشر: حيث جعل فراعنة السلالة الثامنة عشرة من فلسطين «ثغراً مصرياً».

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) ر.دوفو R.de vaux، تاريخ إسرائيل القديم، منشورات Gabalda 1971 ص 154.

وتقع هذه المنطقة في قلب «الهلال الخصيب». وتمتد من النيل إلى الفرات، أو مشكلة مكان المرور والامتزاج للجماعات البشرية الأكثر تنوعاً. وحين كانت القبائل الرحل والرعاة تنتقل بين بلاد ما بين النهرين أو في الضفة الغربية للأردن، بلغت أرض كنعان منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد، في العصر البرونزي القديم، ووجدت هناك سكاناً، وخاصة من الكنعانيين قد استقروا فيها، وأقاموا حضارة مدنية وعرفوا، في نهاية الألف الثاني الحديد والكتابة الأبجدية.
وعلى عكس الرسم البياني التوراتي التقليدي لم يشكل العبرانيون عرقاً مميزاً قبل دخول القبائل الرحل إلى أرض كنعان: حيث تجمعوا في اتحاد تكوَّن من مجموعات عرقية مختلفة، وشكلوا هجرات كبيرة من القبائل الرحل (الأموريين أو الآراميين).
واستقرت بعض هذه القبائل في أرض كنعان، وتابعت قبائل أخرى طريقها إلى مصر. وأخذت هذه القبائل (وبينها من عُرفوا باسم «العبرانيين» فيما بعد) عن الكنعانيين لغتهم وكتابتهم وطقوسهم الدينية، إلى حوالي عام 1400، حيث اقتفوا آثار الغزاة الهكسوس بحثاً عن مراعي جديدة في مصر.
وعندما طرد الهكسوس من مصر، اعتُبر من قدم معهم وكان في حمايتهم «متواطئاً» وأخضع غلى ظروف معيشية أكثر صعوبة، ولجأ بعضهم إلى الهروب من مصر، ولم يكن هؤلاء يشكِّلون عرقاً واحداً بل مجموعة من المعترضين على الفرعون تحت اسم «أبيرو Apiru» (ومنها اشتقت كلمة «عبري» دون شك، كما يشير الأب دوفو. ولا بد أن يكون هذا «الرحيل» للعناصر الأجنبية المعترضة أمراً عادياً، بحيث لم يرد لهذا «الحدث المختلف » في الحوليات المصرية، حتى في صيغة تقرير عن حماية الحدود (في حين لدينا تقرير عن «حالات مرور» تعود إلى القرن التاسع عشر قبل المسيح).
غير أن «المصادر» الوحيدة التي بين أيدينا، خارج نصوص العهد القديم، لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة: حيث إن أقدم ذكر لكلمة إسرائيل وجد على مسلة تمجد انتصارات الفرعون ميميبتا Memepta، حوالي العام 1225. وقد ورد تحديد أنه دمر «إسرائيل» كذلك، حين غزا المدن الفلسطينية: «دمرت إسرائيل، ولم يبق لها جذور أبداً». وليس في هذا النص أية كلمة أخرى عن إسرائيل(1).
وفضلاً عن ذلك، فإن 400 لوح من الصلصال اكتشفت اعتباراً من عام 1887 في تل العمارنة العاصمة التي أنشأها الفرعون أمينوفيس الرابع (أخناتون: 1375 ـ 1358) تقدم لنا المحفوظات التي تحتوي على مراسلات فرعون مع الأمراء والولاة على مناطق فلسطين وسوريا. وليس فيها أي أثر عن إسرائيل، بل معلومات هامة عن المدن ـ الدول ـ للكنعانيين ومنافسيهم.
ومن هذه الآثار الضئيلة الباقية عن إسرائيل في تاريخ الشعوب الأخرى، نستخلص على الأقل الاستنتاجين التاليين:
أولاً ـ إنه يستحيل منحها «حقاً تاريخياً» بصفتها المحتل الأول: فعندما وصلت القبائل في الموجة الآرامية إلى


ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يمكن أن يكون المقصود كل إسرائيل، «الاثنتي عشرة» قبيلة التي لم تكن متكونة بعد: بل تقصد حماية أقل عدداً. الأب دودو: تاريخ إسرائيل القديم، مجلد 1 ص 366.



فلسطين، وجدت «السكان الأصليين» الكنعانيين والحثيين (حول مدينة حيبرون* التي أسسوها) والعامونيين (حول عمان) والمؤابين شرقي البحر الميت والعيدوميين في الجنوب الشرقي. وفي الوقت نفسه قدم الفلسطينيون من بحر إيجه وأقاموا بين الكرمل والصحراء. والذين يطلق عليهم اليوم اسم «الفلسطينيين» لم يتحدروا من العرب فقط، بل إن العرب الذين جاؤوا بأعداد قليلة في القرن السابع الميلادي هدوا القسم الأعظم من السكَّان المحليين إلى الإسلام (بمن فيهم من الإسرائيليين)، وامتزجوا بهم بالزواج وأدخلوا عليهم لغتهم. وكان ظهور العرب في فلسطين، في القرن السابع ظاهرة ثقافية أكثر مما هي عرقية. ويتحدر الفلسطينيون من السكان الأصليين الكنعانيين، الذين عاشوا هناك منذ خمسة آلاف سنة على الأقل (منذ بداية المرحلة التاريخية) ومن الفلسطينيين الذين أعطوا اسمهم للبلاد فأصبحت تدعى فلسطين، ومن الفرس واليونانيين والرومان والعرب الأتراك الذين احتلوا البلد وسيطروا عليه بعد البابليين والحثيين والمصريين.

والملاحظة الثانية المستخصلة من هذا التاريخ لفلسطين، هي إن العبرانيين (الذين «عبروا» حين وصلوا إلى مصر، في القرن الثامن قبل المسيح، وأقاموا في فلسطين، إما بالتسلل، وإما بالغزو (سنعود إلى هذا الحديث عن الروايات التاريخية) هم على الأغلب غزاة بين آخرين (البابليين والحثيين والمصريين والفرس واليونانيين والرومانيين والعرب والأتراك والإنكليز).
بعد الإقامة في أرض كنعان فقط، أصبح من الممكن الحديث عن شعب إسرائيلي تكوَّن من اتحاد عدة قبائل مختلفة العرق، والعودة في ذلك إلى مراجع داخلية وخارجية: لأنه لا وجود أية وثيقة خارجة عن التوراة حول التاريخ السابق أولاً، ولأن أي نص توراتي لم يكن قد وضع قبل عهد سليمان ثانياً(1) (القرن العاشر)، ولأن هذه النصوص الأولى كانت مستوحاة من الاهتمامات السياسية للعصر ثالثاً (تمجيد أو نقد النظام الملكي وتشريع ملكية الأرض أو غزوها...)
اعتباراً من التقاليد الشفهية، مثل الروايات التاريخية الشمالية وقصائد هوميروس، وأساطير الملك آرتي والسلالات البطولية «للشعراء» الأفارقة، أو حكايا الرواة العرب، كما يذكر الأب دوفو، حيث «إن اشتقاق الحكايات أو الروايات الشعبية تفسر اسم مكان أو قسماً من القبيلة، أو لقب أحد الأجداد وتؤسّس حكايا طريفة عن حق القبيلة في استخدام أرض أو التمتع بامتياز معين، ويلعب القسم الذي يخص الراوي الدور الأفضل.»
وبتحليل النصوص التوراتية، (لأنه ليس لدينا غيرها) يُستخلص ما يلي: في حوالي العام ألف، توصل رئيس عصابة (يقال له «قائد المرتزقة» في القرن الخامس عشر) ينتمي إلى قبيلة يهوذا، على رأس مجموعة من المرتزقة الفلسطينيين وسكن جزيرة كريت؟ مستفيداً بمهارة من توازن القوى بين «الجبارين» حينذاك: البابليين والمصريين، إلى تأسيس مملكة والإقامة مع حرسه الشخصي من الكريتيين والفلسطينيين في القدس، حيث واصل السكان القدامى من اليبوسيين حياتهم.
ويحاول رئيس الجماعة، داود تهويد أرض كنعان، وأوكل قيادة ثلث جيشه، إلى فلسطيني يدعى عيطاي جت. وكانت المؤن، خلال ثورة أبشالوم، تصل إليه في الضفة الغربية من الأمير الاموني شوبي، وأنشأ دولة متعددة القومية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مدينة قديمة أصبحت هي الخليل اليوم ـ المترجم.
(1) الأمر الأكثر دلالة أن اسم داود وتاريخه لم يرد في أي مرجع خارج التوراة، ولا في أي نص ولا أية بقايا أثرية.

ومشتملة على شعوب ذات أديان وأصول مختلفة، وكانت جدّته راغوث مؤابية، وعندما كان يتعرَّض للنزاعات، يعهد بذويه إلى رعاية ملك موآب.
ورزق ولداً من امرأة حثية هو سليمان الذي خلفه على العرش فأبقى على الطابع المتعدد القومية لهذه الدولة ووسع نطاقه (1).
وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكة داود: إسرائيل في الشمال ويهودا في الجنوب. واحتل الآشوريون إسرائيل في عام 721، واحتلها البابليون في العام 587. وأُرسل الوجهاء إلى المنفى. وعندما احتل ملك الفرس قورش بابل، سمح للمنفيين بالعودة (وفضل عدد كبير البقاء في بابل). وخضع العبرانيون عندئذ إلى سلطة الفرس واليونانيين والرومانيين حتى ظهرت حركات التمرد ضد المحتل، ومنها حركة المكابين في القرن الثاني قبل الميلاد ضد وريث سلوقي للإسكندر، هو أنطيوخوس أبيفانوس، وبعد عشرين سنة من الكفاح أقام المكابيون سلالة ملكية دعيت «الأشمونية» وتفككت فيما بعد، بالصراعات الداخلية حتى عام 63 قبل المسيح، حين استولى بومبيوس على فلسطين التي أصبحت مملكة مقتطعة، ثم ولاية رومانية. وفشلت حركتا تمرد ضد المحتل الروماني في عام 70 و 132 للميلاد وبعد سحق التمرد الأخير جرى تدمير الهيكل، وتشتت الشعب اليهودي على طول شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وانتهى وجود الطائفة الإسرائيلية في فلسطين.
وفي عام 1170 زار السائح اليهودي بنيامين الطيطلي القدس ولم يجد سوى 1440 يهودياً في جميع أنحاء فلسطين. وفي عام 1257 لم يعثر ناحوم جيروندي في القدس إلا على عائلتين من اليهود. وحين استولى الصليبيون على القدس في عام 1099، قاموا بإحراق اليهود في معبدهم. وحين استعادها صلاح الدين في عام 1187 سمح لليهود بالعودة.
ولم يعد اليهود إلى فلسطين إلا تحت تأثير الاضطهاد، وليس بفعل الحنين إلى «وطن الأجداد»: ففي القرن الخامس عشر لم يشعر يهود إسبانيا بالحاجة إلى الهجرة خلال ثمانية قرون من التعايش مع العرب، لكنهم كانوا يهربون من تعصب محاكم التفتيش في عهود الملوك «الكاثوليكيين جداً». وجاء إلى فلسطين عدد قليل منهم. ولجأت الأكثرية الساحقة منهم إلى فرنسا وهولندا وإيطاليا ومصر وقبرص أو إلى البلقان. وفي عام 1854 لم يزد عدد اليهود في فلسطين عن 12 ألف يهودي من أصل 350 ألفاً من سكانها. وفي عام 1880 بلغ عددهم 25 ألفاً من أصل 500 ألف نسمة. وتسبب الاضطهاد في روسيا، في عام 1882، بموجة تبعتها موجات أخرى بسبب حالات اضطهاد اليهود في كل من بولونيا ورومانيا.
في حين كانت الصهيونية تتطور على أساس مؤلف تيودور هرتزل، الدولة اليهودية، الصادر في عام 1896، كان من الضروري التركيز على مسألة «الحقوق التاريخية» من أجل إدراك حوافز الحركة.
فلم يكن العبرانيون «المحتلون» الأول، بل أحد عناصر كثيرة لهذا الخليط من الشعوب في «الهلال الخصيب». ولا يستطيعون في أي حال المطالبة بوضع متميِّز في هذا التاريخ الطويل. وتعاملت الصهيونية السياسية مع توجيه



-----[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امل فلسطين
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
avatar

الدولة :


مُساهمةموضوع: رد: دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية    الخميس مارس 03, 2011 1:17 am



(1) من المفيد أن نشير إلى أنه بفضل قوانين أساسية للدولة الإسرائيلية الحالية لا يكون الفرد يهودياً إلا إذا كانت أمه يهودية، أو إذا اعتنق الديانة اليهودية، لا يعتبر الملك سليمان يهودياً، ولا يستطيع الإفادة من «قانون العودة»، لأن أمه لم تكن يهودية بل حثيّة، ولن أي حاخام مستقيم مؤهل للاعتراف بتحوله إلى الدين لا يقبل القيام بذلك لأجل إنسان كسليمان كان يشيد في القدس معابد لآلهة خليلاته المصريات الأدويات والموآبيات والصيدونيات الخ... والأمر نفسه بالنسبة لشاؤول المولود من أم كنعانية وكذلك (كما سنرى فيما بعد) بالنسبة إلى الملك داود الذي كانت جدته ـ راغوث مؤابية!
وتزوير منتظم للوقائع، في الكتب المدرسية الإسرائيلية، كما في الدعاية الخارجية، ولم تمسك من تاريخ فلسطين إلا بفترات قليلة لعب فيها العبرانيون دوراً معيناً:
ـ احتلال أرض كنعان من جانب القبائل في زمن يشوع الواقع (حسب النصوص التوراتية للقرن العاشر) في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وقد تحول هذا الدخول إلى «حرب مقدسة» وغزو مدمر من قبل لاهوتيين في القرن السادس أعادوا كتابة التاريخ بعد فوات الأوان، من أجل أهداف سياسية محددة (كما سنرى فيما بعد حين نتعرض للأسطورة الدينية للصهيونية المتممة لأسطورتها التاريخية).
ـ ثلاثة وسبعون عاماً من حكم داود سليمان.
ـ النفي إلى بابل والعودة.
وأخيراً التمرد ضد الرومان في عامي 63 و 135 للميلاد ومحو كل ما تبقى من التاريخ، كما لو أنه لم يحدث شيء على هذه الأرض خلال ألفي سنة، من الألف الثالث حتى مجيء العبرانيين، كما لم يحدث شيء خلال ما يقرب من ألفين آخرين، من تمرد باركوشبا في عام 135 ميلادية حتى خلق دولة إسرائيل في عام 1948!
هكذا خلقت أول أسطورة تاريخية بالتركيز على بعض الأحداث خلال حقبة من خمسة آلاف سنة من التاريخ بصورة تعسفية: هجرة القبائل اليهودية بين حالات أخرى عديدة، ومملكة داود بين ممالك أخرى كثيرة، أو حالات تمرد المكابيين أو باركوشبا.
إن تاريخ فلسطين المدرَّس في مدارس دولة إسرائيل هو نتاج التزييف والتزوير. لكن «التاريخ المقدس» المدَّرس في كتاب التعليم الديني الكاثوليكي أو في «مدرسة الأحد» البروتستانتية بالاستناد إلى قراءة للتوراة دون الرجوع إلى التاريخ الحقيقي للشرق القديم، ينوب عن دعاية الصهيونية السياسية دون إرادة منها، ويهيء ملايين المسيحيين في العالم لقبول أسطورة القتل للشعب الفلسطيني وللسلام العالمي كأنها الحقيقة. ذلك أن هذه الأسطورة تُستخدم لوضع مطالب إقليمية وعمليات إلحاق واعتداء.
ويكمل الصهيونيون هذه الروحانية الأولية بأسطورتين تاريخيتين أخريين:
ـ بعد تحويل فلسطين إلى صحراء تاريخية (ما عدا في مراحل الوجود العبري)، يحولونها إلى صحراء جغرافية: «أرض دون شعب لشعب دون أرض» حسب الصيغة المشهورة لإسرائيل زانغويل(1).
ـ بعد أن دمرت الصهيونية التتابع التاريخي للأرض الفلسطينية (مثل المعادين للسامية)، خلقت تتابعاً عرقياً وعنصرياً «للشعب اليهودي» بسلالات وهمية ورفض للتشابه، لأجل تبرير «عودة» إلى أرض «جديدة»، كما لو أن اليهود الحاليين متحدرون من الإسرائيليين في العصور التوراتية. وورثتهم الطبيعيون، وكما لو أنهم يحققون الرغبة القديمة والدائمة لجميع الطوائف «اليهودية» في العالم.
ولنحلل الآن هاتين الأسطورتين التاريخيتين:
1ـ أسطورة «الصحراء»:
منذ أن صيغت الصهيونية السياسية بصورة واضحة، حين صدور كتاب تيودور هرتزل حول الدولة اليهودية (1896)، بدأت عملية التعمية التامة لوجود شعب في فلسطين. فلم يذكر هذا الوجود أبدأ في كتاب هرتزل، ولا في
ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) إسرائيل زانغويل. العودة إلى فلسطين: المجلة الليبرالية الجديدة عدد 1901 ص 627.
الجمعيات العمومية التأسيسية للحركة الصهيونية العالمية. وعدم وجود هذا الشعب هو إحدى المسلمات الأساسية للصهيونية، وتكمن هذه المسلمة في الخلفية العميقة لجميع الجرائم اللاحقة. فقد صرحت غولدامائير إلى صحيفة الساندي تايمز، في عدد الخامس عشر من حزيران 1969: «لا وجود للفلسطينيين. وليس الوضع كما لو أنه كان هناك شعب فلسطيني في فلسطين، ولا كما لو أننا جئنا نردهم ونستولي على بلدهم، فهم لا وجود لهم».
فإذا كان هؤلاء «الغائبون الحاضرون» لا وجود لهم، وإذا كانوا يقاومون، فلا بد أن يتم طردهم أو قتلهم على شكل ما يقوم به مهاجرون آخرون، في أميركا حيال الهنود.
وحين سأل أينشتين (عندما كان أحد المسؤولين في المنظمة الصهيونية العالمية): ماذا سيحدث للعرب إذا أعطيت فلسطين لليهود؟»، أجاب وايزمن: «أي عرب؟ إن عددهم قليل جداً».
ويقول البروفسور بنزيون دنيور، الذي كان أول وزير للتربية في دولة إسرائيل، والصديق المقرب من مؤسسها بن غوريون، في مقدمة كتابه، تاريخ الهاغانا، الذي نشرته المنظمة الصهيونية العالمية في عام 1954: «لا مكان في بلادنا لغير اليهود. وسنقول للعرب: ابتعدوا وتراجعوا! فإذا لم يوافقوا أو قاوموا، سنقوم بإبعادهم بالقوة». وغداة حرب حزيران 1967 كتب المدير السابق لدائرة الاستعمار في الوكالة اليهودية جوزيف وايتز: من الواضح في أوساطنا أنه لا مكان للشعبين في هذه البلاد، والحل الوحيد هو وجود إسرائيل، أو على الأقل إسرائيل الغربية من دون العرب (في غرب نهر الأردن) ولا مخرج آخر غير انتقال العرب إلى مكان آخر في البلدان المجاورة» (1).
غير أن الواقع مغاير تماماً: حيث كان في فلسطين، حسب الإحصاء الانكليزي في 31 كانون الأول 1922، وبعد تصريح بلفور (1917) وبعد عشرين سنة من الصهيونية السياسية ومن الدعاية للعودة، وبعد الموجات الأولى من هجرة أولئك الذين كانوا يهربون من مذابح روسيا وبولونيا ورومانيا، كان عدد السكان بسبب الإحصاء الانكليزي الذي جرى في 31 كانون الأول عام 1922 في فلسطين 757 ألف نسمة، منهم 663 ألفاً من العرب (590ألفاً من المسلمين و73 ألفاً من المسيحيين) و83 ألفاً من اليهود (يعني أن 88% هم من العرب و11 % من اليهود). والجدير بالذكر أن هذه الصحراء المزعومة كانت مصدرة للحبوب والحمضيات.
ومنذ عام 1891، نقل أحد صهاينة الساعة الأولى آشير غينزبرغ بعد زيارة قام بها إلى فلسطين، الشهادة التالية، «لقد اعتدنا أن نصدق في الخارج، أن أرض إسرائيل هي شبه صحراوية، أو أنها صحراء خالية من الزراعة، وأن من يرغب في اقتناء قطعة من الأرض يستطيع المجيء إلى هنا والفوز بما يرغب. لكن الحقيقة غير ذلك. إنه من الصعب إيجاد حقول غير مزروعة. والأمكنة غير المزروعة هي من حقول الرمل والجبال الصخرية حيث لا يمكن أن تنبت الأشجار فيها إلا بعد جهود مضنية وأعمال كبيرة من التنقية والتعويض»(2).

في الواقع أن «البدو» قبل الصهاينة كانوا يصدورن 30 ألف طن من القمح سنوياً، وأن مساحة البساتين العربية تضاعفت ثلاث مرات بين عامي 1921 و 1942، وأن مساحة بيارات البرتقال والحمضيات الأخرى تضاعفت سبع مرات بين عامي 1922 و1947، وأن إنتاج الخضار تضاعفت عشر مرات بين عامي 1922 و 1938.
إذا أخذنا مثال الحمضيات، فإن تقرير بيل المقدم إلى البرلمان الانكليزي، من قبل سكرتارية الدولة لشؤون المستعمرات في تموز 1937، استناداً إلى التطور السريع لبيارات البرتقال في فلسطين، يقدر أن البلاد المنتجة و
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكره ناوم شومسكيه في:
Noam Chomskey: Israel _ Jews and Palestinian Arabs. 1972. P 9.
(2) أحدها عام: مؤلفاته في العبرية، تل أبيب.

والمصدرة للثلاثين مليون سلة من برتقال الشتاء التي ستشكل زيادة الاستهلاك العالمي في السنوات العشر المقبلة، هي التالية:
فلسطين 15 مليون
الولايات المتحدة 7 ملايين
إسبانيا 5 ملايين
بلدان أخرى (قبرص، الجزائر) 3 ملايين.
هذا العرض والمعطيات المستندة إليه توجد في «تقرير بيل» في الفصل الأخير، الفقرة 19، ص 214.
وإذا أخذنا في الاعتبار خطوات التقدم الزراعي في جميع بلدان العالم خلال السنوات الخمسين الأخيرة، وخاصة «العون» المالي الخيالي (كما سنبين ذلك في الحديث عن التمويل في دولة إسرائيل) الذي تلقته من الخارج، يصبح من الواضح أن ليس هناك الحد الأدنى من «المعجزة الإسرائيلية» في هذا المجال.
إن أسطورة «الفراغ» التاريخي والجغرافي تصبح المسلمة الأساسية للسياسة الصهيونية لإسرائيل «لتبرير» حالات الطرد والاغتصاب والقمع، التي سنبين مداها لاحقاً.
2 ـ أسطورة العرق:
الأسطورة التاريخية الأخرى التي استندت الصهيونية إليها هي أسطورة تتابع العرق والحنين الدائم للعودة.
وترمي رواية النسب الوهمي إلى الاعتقاد بأن يهود العالم اليوم متحدرون من «عرق» واحد، وأنهم قدموا كتلة واحدة، بناء على أمر من الله، مع إبراهيم وآبائه إلى أرض «الميعاد» من بلاد كنعان، ثم هاجروا إلى مصر، وتخلصوا من العبودية بفضل الله وبفضل الخروج المعجزة بقيادة موسى في القرن الثالث عشر، واحتلوا بعد ذلك «أرض الميعاد» بقيادة يشوع، وأبادوا، بناء على أمر من الله أيضاً، السكان الأصليين، حتى أقاموا إمبراطورية داود، لكي يتعرّضوا للهزيمة والنفي بعد ذلك.
وعندما سمح قورش في عام 539 بعودة المنفيين، استصدر رجلان موثوقان في البلاط الفارسي، هما الكاهن الكبير تحميا والكاتب عزرا، قوانين صارمة تمنع الزواج بنساء غير يهوديات، وشرعا القانون الموحى به إلى موسى قديماً، واستنَّا سلطة كهنوتية مطلقة، لأجل الحفاظ على نقاوة العرق والدين ولتجنب امتزاج اليهود بالأمم التي يعيشون بين ظهرانيها.
كانت قوانين التمييز العنصري دقيقة جداً: «وانفصلوا عن شعوب الأرض وعن النساء الغريبة» (عزرا الإصحاح العاشر، الآية 11). وأصبحت حالات الطلاق نافذة في الأشهر الثلاثة اللاحقة: «وانتهوا من كل الرجال الذين اتخذوا نساء غريبة في اليوم الأول من الشهر الأول» (عزرا الإصحاح العاشر، 16 و17).
وجرى التأكيد على ذلك في نحميا (الإصحاح الثالث عشر، 3) «ولما سمعوا الشريعة فرزوا كل اللفيف من إسرائيل»، ويضيف نحميا:«في تلك الأيام أيضاً رأيت اليهود الذي ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموأبيات، ونصف كلام بينهم باللسان الأشدودي ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب. فخاصمتهم ولعنتهم وضربت منهم أناساً ونتفت شعورهم واستحلفتهم بالله قائلاً لا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم ولا لأنفسكم» (نحميا، الإصحاح 13، 23ـ25).
«ثم (... فطهرتهم من كل غريب وأقمت حراسات الكهنة واللاويين» (الإصحاح الثالث عشر، 30).
وتبقى الديانة اليهودية مصانة من أي عامل خارجي، في ظل وصاية الكهنة الكبار.
وسنرى في هذه الرواية «الرسمية» للتاريخ اليهودي، حين نحلل القراءة الانتقائية والأسطورية والقبلية للتوراة من قبل الصهيونية المعاصرة، أن الأسطورة الذهبية التبريرية تحتل الجانب الأكبر في سبيل خدمة الأهداف السياسية الدقيقة.
ويتوالى التاريخ في «الشتات» (أعني لدى اليهود المتفرقين في مختلف الأمم) حيث حافظت الجماعات اليهودية التي تصورها الصهيونية أنها تتعرض لاضهاد دائم في كل مكان، وأنها تعيش على أمل الخلاص «بالعودة» إلى «أرض الميعاد» التي ضاعت بصورة مؤقتة، فشكلت تلك الجماعات بين الأمم «شعباً كاهناً» مكلفاً بالمهمة الإلهية ليقدموا الدليل بآلامهم وإيمانهم الذي لا يتزعزع، على التصميم الإلهي الأساسي. ويتمحور التاريخ البشري كله بالتالي حول مصير هذا الشعب المختار.
وسنرى لاحقاً أن الصهيونية السياسية المعاصرة قد أضفت على هذا التصميم، طابعاً دنيوياً لتبرير سياسة القوة حتى لدى الذين لا يؤمنون بالديانة اليهودية، وهم الأكثر عدداً في دولة إسرائيل وفي «الشتات».
وقبل أن نبحث في الروحانية الإلهية الأساسية التي تشكل بنية الإيديولوجية الصهيونية مع طروحات «الوعد» الذي يعطي اليهود «حقاً إلهياً» على أرض فلسطين و «اختياراً» يسمح لهم، باسم هذا «الحق الإلهي» بالدروس على جميع الحقوق الإنسانية لأولئك الذين عاشوا وعملوا في فلسطين منذ آلاف السنين، فإننا سنعيد النظر بأسطورتين ملحقتين: أسطورة «العرق اليهودي»، وأسطورة الحنين الألفي للعودة.

إن مفهوم «العرق» هو ابتكار أوروبي في القرن التاسع عشر استخدم لتبرير الهيمنة الاستعمارية للغرب، بالتحول من التمييز بين الجماعات اللغوية إلى فكرة الفرق البيولوجي ولإظهار الهرمية بين العروق البشرية الكبيرة.
وقبل تطوير هذه الأسطورة المأساوية، عبر التفسيرات الهذيانية لكتاب «بحث حول عدم تساوي العروق البشرية» للكونت دو غوبينو De Gobineau في عام 1853. كان المفهوم القبلي لطائفة الدم أقرب لمفهوم العرق، وهو مبرر في جميع الحضارات، بالانتماء الأسطوري لجدّ مشترك بطل «رمز» للقبيلة، وللسلالات الأسطورية التي نجدها كذلك لدى هنود أميركا، كما في العهد القديم. لكنه لم يكن يعني «العرق» بالمعنى الأوروبي في القرن التاسع عشر، أي الانتساب إلى بعض الجماعات البشرية الكبيرة، بل المتحدرين من سلالة واحدة في طوائف قبلية صغيرة أو في بعض الطبقات الاجتماعية، ففي اللغة الفرنسية للقرن السادس عشر، كانت السلالة الملكية مثلاً تعتبر «عرقاً»، وفي القرن الثامن عشر كان نبل «العرق» يقابل النبل المكتسب حديثاً، وليس الموروث من «السلالة».
ولم يطرح نموذج جديد للبشرية حتى القرن الثامن عشر، على يد بوفون Buffon مثلاً، وهو نموذج العنصر الأبيض الذي «يتحول» بقدر ما يزيد الابتعاد عن المنطقة المعتدلة. ثم باسم «تطورية» عرقية مفرطة محورها أوروبا دائماً، يعتبر غير الغربيين بدائيين، وحجة أساسية «لتبرير» الفتوحات الاستعمارية أمام رسالة الإنسان الأبيض في «التقدم». وتستمر هذه النظرية التراتبية في المفهوم المعاصر لتعبير «التخلف»، وحسبها يعتبر مسار الغرب المسار النموذجي للبشرية: فيعتبر هذا البلد أو ذاك، متطوراً حسب مدى قربه من هذا المثل النموذجي ! وقد شجب ليفي شتراوس في كتابه، العرق والدين، هذه العرقية بقوة، مبيناً مدى فقر هذه النظرة، لأنها تستبعد التفاعل بين الحضارات: «الشائبة الوحيدة التي يمكن أن تبتلى بها جماعية بشرية، وتعيقها عن تحقيق طبيعتها بصورة تامة، هي أن تكون وحيدة»(ص، 37).
وقد استخدمت النظرية العرقية المزيفة دائماً لتبرير أعمال السيطرة والعنف. وتمثل النازية النموذج الأبرز. فيَّتهم هتلر، في كتابه «كفاحي» اليهود بأنهم «يريدون، بالإفساد الناتج عن التهجين، تدمير هذا العرق الأبيض الذي يكرهونه». ويضيف «إن اليهودي يسمّم دم الآخرين لكنه يحمي دمه».
والجدير بالملاحظة أنه كان يختار تقليد ضحيته: فيذكر المشترع لقوانين نارمبرغ الدموية في التمهيد لها، أنه يستوحي القرارات التاريخية الأولى المتخذة للحفاظ على نقاوة العرق، عرق عزرا ونحميا.
وليس المقصود التاريخ القديم، ولا علم الآثار، لأن القانون الأساسي لدولة إسرائيل بفضل التقليد الحاخامي، يحدّد «اليهودي» كما كان يطلب عزرا ونحميا، وكما تحدده القوانين العرقية لنارمبرغ: يكون يهودياً من يولد من أم يهودية (المعيار العرقي) أو من يتحول إلى الديانة اليهودية (المعيار الديمقراطي)، ومن تتوفر فيه هذه المعايير ويستطيع الإفادة من قانون العودة ومن الامتيازات الناشئة عنه في دولة إسرائيل. فليس المقصود إذن تعريفاً عرقياً، بل تمييزاً عنصرياً لأن الانتماء إلى هذه المجموعة العرقية أو تلك، إنما ينطوي على امتيازات وعلى درجات دنيا، كما سنرى.
وتفتقر العنصرية إلى أي أساسي عملي. ذلك أنه يبيَّن أن النظرية القديمة «لشكل الجمجمة» التي تميز ذوي «الرأس الطويل» عن ذوي «الرأس القصير» ليست واقعية. وقد أظهر علم الوراثة الذي توجه بعض «عناصر الوراثة» بموجبه خصائص المصل في الدم، بطلان المفهوم البيولوجي للعرق.
لقد استخدمت الأسطورة القديمة لسفر التكوين (الإصحاح العاشر، 18 ـ 27) مثل جميع الأساطير العنصرية الأخرى، «لتبرير» التراتب والخضوع. فقد قام أولاد نوح الثلاثة، بعد خروجهم من السفينة «بإعمار الأرض كلها» فكانوا الأصل للآسيويين (سام) و للأوروبيين (يافت) وللإفريقيين (حام)، وقد ولد هؤلاء الثلاثة للعبودية والعنف. واعترفت القرون الوسطى بحام جداً للأقنان، وبيافت جداً للسادة وبسام جداً لرجال الدين (الإكليروس) في رأس التراتب. ويشدد ليون بولونياكوف، في كتابه الأسطورة الآرية (197) حسب التقليد العبري (أو الحاخامي بدقّة أكبر)، على أن «الحاجز الذي كان لا بد أن يفصل الشعب المختار عن الأم كان مخصصاً لاستمرار وظيفته «كشعب متأهِّب».
ولم يحمل التاريخ أساساً موضوعياً لمفهوم العرق، كما لم يحمل ذلك علم البيولوجيا. وإن جعل اليهود «عرقاً» منعزلاً عن الأمم، يعني خلق أسطورة مشتركة لمعادي السامية وللصهيونيين. فتستند معاداة السامية والصهيونية إلى المسلمة ذاتها، وتؤديان إلى النتائج نفسها.
فالمسلمة المشتركة في الاعتقاد بكيان «يهودي» يصبح غير قابل للإندماج بالشعوب، سواء بالانتقاء أم «بالاستعباد».
والنتيجة المشتركة في الاستنتاج أنه يجب انتزاع «اليهود» من الشعوب لتجميعهم في منعزل عالمي، الأمر الذي شكل الهدف الدائم لمعاداة السامية.
في الواقع لم يوجد «عرق يهودي» أبداً، إلا في هذيانات هتلر والصهيونيين. وكان «اليهود» في جميع مراحل التاريخ جزءاً من عناصر السلالات البشرية الكبيرة (التي لم تشكل عروقاً أبداً).
إن القبائل الرحل أو الرعاة الذين ساروا في طريق التحضّر والذين دخلوا أرض كنعان كانوا من الآراميين الذين قدموا من الشمال ومن الضفة الغربية لنهر الأردن أو من المنطقة العربية، أي تبعاً للغتهم (وليس تبعاً لدمهم) وكانوا ساميين، كما هم اليوم العرب الإسرائيليين، وتشهد على ذلك القربى بين اللغتين العربية والعبرية.
فالعبرانيين الذين قدموا من مصر خلال الخروج كانوا فئة اجتماعية (هامشية محتجة) وليسوا عرقاً.وقد امتزجت القبائل التي تسللت سلمياً أو عسكرياً إلى أرض كنعان بالسكان المحليين عن طريق الثقافة والدم (وتشهد على ذلك القوانين العنصرية لعزرا ونحميا، بعد ذلك بعدة قرون).
وكانت مملكة داود وسليمان متعددة الانتماءات القومية، ومفتوحة أمام العروق الخارجية وأمام طقوسهم الدينية.
وعندما سمح قورش للمنفيين في بابل «بالعودة»، بقيت الأكثرية الساحقة في بلاد ما بين النهرين، حيث أصبح لهم أحفاد في هذه البلاد.

وعندما طرد الرومان الإسرائيليين، بعد فتن عام 70، قام المنفيون بتحويل السكان الذين رحبوا بهم إلى دينهم. ففي 30 آذار 1919 كتب جوزيف ريناخ يقول: «لم يشكل يهود فلسطين إلا قلة ضئيلة. ومثل المسيحين والمسلمين، كان اليهود يتطوَّعون بكثير من الحماس لهداية الناس إلى دينهم وكان اليهود، قبل العصر المسيحي، قد حولوا أعداداً كبيرة من ساميين آخرين (أو عرباً) ويونانيين ومصريين ورومانيين إلى دين موسى التوحيدي. وفيما بعد لم يكن التبشير بالديانة اليهودية أقل فعالية، في آسيا وإفريقيا الشمالية وإيطاليا وإسبانيا وبلاد الغال. كان الرومانيون والغاليون المتحلون يسودون بلاد أدنى ريب في الجماعات اليهودية المذكورة في الأخبار التاريخية لأسقف مدينة تور. وكان عدد كبير من اليهود المهتدين من أصل إيبري، وفي عداد الذين طردهم فرديناند الكاثوليكي، وانتشروا في إيطاليا في الشرق، وتتحدَّر الأكثرية الساحقة من يهود روسيا وبولونبا وغاليسيا من الخزر. وهم من الشعب التتري الذين يسكن جنوب روسيا، وقد تحولوا بمجموعهم إلى اليهودية في عصر شارلمان، وكل حديث عن عرق يهودي، إنما يصدر عن جهل، وإما عن اعتقاد سيء»
.... فلم يكن اليهود سوى إحدى القبائل العديدة العربية أو السامية التي كانت تقيم في آسيا الغربية، ويصل جوزيف ريناخ إلى استنتاج واضح: «بما أنه ليس هناك عرق يهودي، ولا أمة يهودية، وأن هناك ديانة يهودية فقط، فإن النزعة الصهيونية حماقة أكيدة، وخطأ مضاعف من ناحية التاريخ والعرق وعلم الآثار».


-----[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امل فلسطين
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
avatar

الدولة :


مُساهمةموضوع: رد: دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية    الخميس مارس 03, 2011 1:44 am



كما يؤكد مكسيم رودنسون بدقة عليمة أكبر: «من المحتمل جداً ـ ويميل علم البحث في الأصل المادي للجنس
البشري إلى تبيان ذلك ـ أن سكان فلسطين الذين يدعون «عرباً» (المستعربين بأكثريتهم) من دم العبرانيين القدامى أكثر من معظم يهود الشتات الذين لم تكن النزعة الحصرية الدينية تمنعهم من امتصاص المتحولين من أصول مختلفة. وظل التبشير اليهودي هاماً طيلة قرون، وتوالي على امتداد مراحل طويلة. ويكفي للاقتناع بذلك، أن نتذكر الدولة اليهودية في جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس ، على قاعدة جنوبية عربية متهودة، والدولة اليهودية التركية على قاعدة من الخزر في جنوبي شرقي روسيا بين القرن الثامن والعاشر على قاعدة تركية أو فنلندية مجرية، وفي منطقة سلافية دون شك، ويهود الصين الذين تميزوا بالطابع الصيني، واليهود السود في مدنية كوشين، والفلاشا في الحبشة الخ... إن نظرة سريعة على اجتماع اليهود، من وجهة نظر علم الأجناس تسمح بتقدير أهمية العوامل الأجنبية»(1).
إن أوضح نتيجة لهذا الاهتداء إلى الرشد حيال التاريخ قد صاغها توماس كيرنان فيقول: «كان الصهيونيين أوروبيين، ولا توجد أية علاقة من علاقات علم الأحياء أو علم الأجناس بين أجداد يهود أوروبا والقبائل العبرية القديمة»(2).
* * *
ولأجل الوصول إلى حكم نهائي مع «الحقوق التاريخية» المزعومة، نذكر بثلاثة مراحل أساسية لإقامة دولة إسرائيل:
«1 ـ تصريح بلفور المتضمن في رسالة موجهة إلى البارون روتشيلد، في 2 تشرين الثاني عام 1917: «إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أكبر الجهود بلوغ هذا الهدف، وبالطبع فلن يحدث شيء يمكن أن يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق السياسية التي يتمتَّع به اليهود في أي بلد آخر».
وسرعان ما أدرك بلفور نفسه خطر هذا التصريح. فكتب إلى لويد جورج، في 19 شباط 1919: «من الواضح أن نقطة الضعف في موقفنا، في الوضع في فلسطين، أننا بالتأكيد رفضنا مبدأ تقرير المصير. ولو كانت جرت استشارة السكان الحاليين، لقدموا دون شك رأياً معارضاً لإقامة اليهود فيها». هذا ما يشدد عليه تقرير لجنة كنغ كراين التي أوفدها الرئيس ويلسون عام 1919، لاستطلاع «آراء ورغبات مجموع السكان».ويشير التقرير إلى فلسطين فيقول: «هنا اتخذ السكان القدامى، أي المسلمون والمسيحيون على السواء موقفاً واحداً معادياً للهجرة اليهودية الكثيفة ولكل جهد يخدم إقامة سيطرة يهودية عليهم ونتساءل هنا، إذا كان يوجد بريطاني أو أمريكي واحد، في السلطة الرسمية يستطيع الاعتقاد أنه يمكن تحقيق البرنامج الصهيوني، إذا لم يدعمه جيش كبير»(3). وكانت اللجنة قد اقترحت الإبقاء على وحدة سورية وفلسطين تحت انتداب بريطاني أو أمريكي، ورفضت البرنامج الصهيوني مع ضمانة إقامة ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نص أخذ من البحث الرئيسي لمكسيم رودنسون: «إسرائيل، واقع استعماري». وأعيد ذكره في كتابه: شعب يهودي أم مسألة يهودية، منشورات ماسبيرو 1981 ص218. أنظر أيضاً: المسألة اليهودية بقلم Ilan Halevi (1981، ص 116 ـ 115) ومناقشته حول كتاب أرثوكويستلو La treizieme، طبعة كالمان ليفي 1967
(2) توماس كيرنان: العرب The Arabs طبعة ليتل براون بوسطن 1975 ص. 253.
(3) لجنة كينغ كريان، طبعة 1963 ص 92.
وطن قومي محدد لليهود وقد حدد آرثر كويستلر العملية المتحققة بتصريح بلفور على أكمل وجه: «إن أمة تعد أخرى رسمياً بأراضي دولة ثالثة».
وبدأت بهذا التصريح جملة من الأكاذيب الكبيرة تحدد معالم تاريخ دولة إسرائيل، وتاريخ قادتها، فلم يسخر باستمرار من البند المتعلق بحقوق «الجماعات غير اليهودية» فحسب، بل إن فكرة «الوطن القومي لليهود»، أي مركز إشعاع للحضارة والديانة اليهوديتين، كما حدد الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1922، كانت بالنسبة للقادة الصهيونيين، ستاراً لتغطية إقامة دولة صهيونية. وفي 26 كانون الثاني من عام 1919 كتب لورد كورزون: «حين كان وايزمن يقول لك أمراً، وكنت تفكر في وطن قومي لليهود، كان يتطلع هو إلى أمر مختلف تماماً. كان يتطلع إلى دولة يهودية تخضع لسلطتها السكان العرب وتحكمهم. كان يعمل لتحقيق ذلك وراء ستارة وحماية الضمانة البريطانية». كان نفاق الصهيونية السياسية واضحاً: ففي آذار 1921 أوردت مذكرة المجلس الوطني اليهودي إلى ونستون تشرشل «أنه لا يمكن اتهامه بأنه يريد رفض حقوق أية أمة أخرى», وعلى عكس ذلك تماماً أعلنت غولدا مائير في 22 حزيران 1969، أمام الكنيست: «أريد دولة يهودية، بأكثرية يهودية غير قابلة للتغيير... كنت أعتقد على الدوام أن الصهيونية تعني هذا».
«2ـ قرار تقسيم فلسطين المتخذ من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947. في ذلك التاريخ كان اليهود يشكلون 32% من السكان، ويملكون 5,6% من الأراضي. وتحوز الدولة الصهيونية الآن 56% من الأراضي، بما فيها الأراضي الأشد خصوبة.
وقد تسبب التصويت على هذا المخطط التقسيمي بمبادرات قذرة تحدث عنها عضو الكونغرس الأمريكي، في 18 كانون الأول 1947، أمام الكونغرس: «لننظر في ما جرى في جمعية الأمم المتحدة أثناء الاجتماع الذي سبق التصويت على قرار التقسيم. كان من المطلوب الحصول على ثلثي الأصوات لاتخاذ القرار... وقد تأجل التصويت مرتين... وخلال ذلك، مورس ضغط قوي على مندوبي ثلاثة بلدان صغيرة... فجاءت أصوات هاييتي وليبيريا والفيليبين هي الحاسمة، فكانت هذه الأصوات كافية لإيصال الأكثرية إلى الثلثين... وكانت هذه البلدان تعارض التقسيم... وشكلت الضغوط عليها من قبل مندوبينا ورسميينا ومواطنين أمريكيين فعلاً جديراً بالعقاب»(1).
وقدم دروبيرسن Drew Pearson إيضاحات على ذلك في شيكاغو ديلي عدد 9 شباط (فبراير) 1948، منها أن: «هارفي فيرستون، صاحب زراعات الكاوتشوك في ليبريا سعى لدى الحكومة الليبيرية....».
ومارس الرئيس ترومان ضغوطاً لا سابق لها على إدارة الدولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر. Congressional record U.S. في كانون الأول (ديسمبر) 1947 ص 1176.
وكتب مساعد وزير الدولة سومر ويلز يقول: «بأمر مباشر من البيت الأبيض كان على الموظفين الأمريكيين أن يستعملوا ضغوطاً مباشرة أو غير مباشرة... لكي يؤمنوا الأكثرية الواجبة للتصويت النهائي»(1).
وأكد وزير الدفاع حينئذ، جيمس فوريستال: «كانت الأساليب المستخدمة للقيام بالضغط، ولإرغام الأمم الأخرى داخل الأمم المتحدة تثير الفضيحة».
«3ـ بين قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 والنهاية الفعلية للانتداب البريطاني على فلسطين في 15 أيار 1948، قامت المجموعات العسكرية الصهيونية باحتلال أراضٍ من المنطقة المخصصة للعرب مثل يافا وعكا.
ففي مثل تلك الظروف، من يستطيع توجيه اللوم للفلسطينيين وللبلدان العربية المجاورة لعدم القبول بالظلم الجائر «للأمر الواقع» ولرفض «الاعتراف» بالدولة الصهيونية؟(2).
لكن الأراضي لم تكن كافية للدولة الصهيونية: كان لا بد من تفريغها من سكانها لتجعل منها ليس مستعمر تقليدية لاستثمار اليد العاملة للسكان الأصليين، بال مستعمرة استيطانية تستبدل السكان الأصليين بالمهاجرين.
لأجل بلوغ هذا الهدف خلقت الدولة الصهيونية إرهاباً حقيقياً، أي أنها قامت «بمجازر» حقيقية ضد السكان الفلسطينيين.
كانت مجزرة دير ياسين هي المثل الأبرز: ففي التاسع من نيسان 1948 قام عساكر منظمة الأرغون التي كان يرأسها مناحيم بيغن، بذبح سكان هذه القرية وكان عددهم 245 نسمة (من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ) بطريقة شبيهة بما قام به النازيون في قرية أورادور(3) ففي كتابه، التمرد: قصة
الأرغون، يقول بيغن «إنه بدون «انتصار» دير ياسين لما قامت دولة إسرائيل» (ص 162، الطبعة الإنكليزية). ويضيف «كانت الهاغانا تقوم بحملات منتصرة في مناطق أخرى... وكان العرب المذعورين يهربون صارخين: دير ياسين» (المصدر نفسه ص 162، وأعيد في الطبعة الفرنسية ص 200).
وفي الخامس عشر من أيار 1948 أبلغ الأمين العام للجامعة العربية الأمين العام للأمم المتحدة أن الدول العربية كانت مرغمة على التدخل في سبيل أمن الشعب الفلسطيني.
ـــــــــــــــــــــ
Summer Welles: We read not fail (Boston, 1948.p. 63) (1)
(2) مذكرات فوريستال: نيويورك، ذي فيكينغ بريس 1950 ص 363.
(3) من المفيد مقارنة الروايتين اللتين يقدمهما بيغن، حول مذبحة دير ياسين، في كتابه التمرد: في الطبعة الانكليزية لعام 1951، والفرنسية لعام 1971 وشهادة جاك رينير، رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي في القدس، في كتابه: 1948، في القدس.
وفي عام 1949، بعد الحرب الإسرائيلية العربية الأولى غدا الصهيونيين يسيطرون على 80% من البلد وكان قد جرى طرد 770 ألف فلسطيني.
وكانت الأمم المتحدة قد عينت الكونت فولكه برنادوت وسيطاً دولياً. ويقول برنادوت في آخر تقرير له: «كان من المسيء للمبادئ الدولية منع هؤلاء الضحايا البريئة من العودة إلى بيوتهم، في حين كان اليهود المهاجرون يتدفقون إلى فلسطين، ويهددون بالحلول بصورة دائمة محل العرب الذين رسخوا جذورهم في هذه الأرض منذ عدة قرون». ويصف «الاغتصاب الصهيوني على أوسع نطاق، وتدمير القرى دون ضرورة عسكرية ظاهرة». كان هذا التقرير قد أودع لدى الأمم المتحدة (الأمم المتحدة، الوثائق أ.648، ص 2140) في السادس عشر من أيلول 1948. وفي السابع عشر منه، لقي برنادوت ومساعده الفرنسي الكولونيل سيروت مصرعهما في الجزء المحتل من القدس من قبل الصهيونيين.
أمام السخط العالمي، اعتقلت الحكومة الإسرائيلية رئيس عصابة شتيرن ناثان فريد مان يلين، وحكم بالسجن لمدة خمس سنوات، ثم أعفي عنه وانتخب في الكنيست في عام 1950. وفي تموز 1971 ادعى أحد قادة عصابة شتيرن، باروش نادل في عام 1948، شرف إعطاء الأمر للقيام بعملية الاغتيال(1).
لقد كان في وسع القادة الصهاينة لدولة إسرائيل احتقار «الأمم المتحدة» بسهولة، خاصة وأن أكثرية هذه المنظمة متواطئة مع الاغتصاب مع الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
ففي عام 1948، قبل مرحلة انتهاء الاستعمار، كانت الأمم المتحدة خاضعة للغربيين بصورة واسعة، وكانت قد خرقت شرعتها الخاصة برفضها الإقرار للعرب الذين كانوا يشكلون ثلثي سكان فلسطين حينذاك بحق تقرير مصيرهم.
حتى من وجهة النظر القانونية، فإن بعض الأسئلة تطرح نفسها (2):
ـ إن التقسيم أُقر من قبل الجمعية العامة، وليس من قبل مجلس الأمن. فإن قيمته بالتالي كنوع من التوصية وليس كقرار للتنفيذ. ـ لم يكن الفلسطينيون وحدهم الذين رفضوا هذا التقسيم: حيث أعلنت منظمة الأرغون (لمناحيم بيغن) حينذاك أن هذا التقسيم كان غير شرعي ولم يعترف به أبداً، ودعت اليهود «ليس فقط لدفع العرب بل لاحتلال كل فلسطين» (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حول مقتل الكونت برنادوت، انظر تقرير الجنرال لوندستوم Lu ndstrom (الذي كان جالساً في سيارة برنادوت)، الذي رفع في اليوم نفسه لوقوع الاغتيال (17 ايلول 1948) إلى الأمم المتحدة، وانظر الكتاب الذي أصدره في الذكرى العشرين للجريمة «اغتيال الكونت برنادوت» طبع روما عام 1970.
(2) حول الوجه القانوني للمسألة أنظر: هنري كتان: Palestine, the Arabs and Israel طبع في لندن 1969.
(3) مناحيم بيغن: التمرد، قصة الأرغون، ص 335. وص 356 الطبقة الفرنسية.




وقد كتب بن غوريون نفسه: «حتى رحيل البريطانيين، لم يدخل أو يحتل العرب أية مستعمرة يهودية مهما كانت بعيدة، بينما كانت الهاغانا قد احتلت بهجمات قوية ومتكررة عدة مواقع عربية وحررت طبريا وحيفا ويافا وصفد»(1).
هكذا فإن الأراضي المقرة للصهاينة في الأمم المتحدة (75%) قد شملت ما يقرب من 80% من فلسطين.
باختصار إنه من الخطأ القول إن الأمم المتحدة «خلقت» دولة إسرائيل: إنها «أقيمت» بجملة من «الوقائع المتحققة» بالعنف من جانب الهاغانا والأرغون و «عصابة شتيرن».
أولاً لأن مفهوم «الحقوق التاريخية» حين يزعم تطبيقه على مراحل طويلة، يؤدي إلى اللامعقول وإلى بلبلة الحرب.
وإذا جرى تعميم هذا النمط «الصهيوني» من الإدعاءات القائمة على مثل هذه «الحقوق التاريخية»، لدخلت الكرة الأرضية بأسرها في الفوضى والبلبلة: فلماذا لا ينادي الإيطاليون «بالحقوق التاريخية»
على فرنسا، حيث حكم الرومان بلاد الغال منذ يوليوس قيصر، لزمن أطول بكثير من زمن حكم ملوك إسرائيل على فلسطين. ولماذا لا يطالب السويديون بمنطقة النورماندي، وانكلترا وصقلية، باسم «أجدادهم» النورمانديين؟ وماذا يجري لإفريقيا إذا طالب المحتلون القدامى بإعادة بناء الإمبراطورية المانديغية أو سلطات البولز؟
حتى إذا عدنا إلى أوروبا، لنتصور أن الدول الإسلامية لجأت اليوم إلى طروحات «الحقوق التاريخية» على الأراضي التي سيطرت عليها أو شكلت أكثرية سكانها في هذه المرحلة أو تلك، وحتى إذا لم نعد إلا إلى معاهدات وستفاليا، التي سجلت في عام 1648 «بداية العصور» (منذ أقل من ثلاثة قرون ونصف) في أوروبا: أي التفكك النهائي «للمسيحية» وولادة «الأمم» لاشتعلت أوروبا ناراً ودماً تحت تأثير المزاعم «التاريخية» المتناقضة لكل دولة: فيمتد الحريق من السويد إلى إيطاليا إلى النمسا، ومن الإلزاس إلى بلاد البلقان. وماذا يجري إذا عدنا إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية، قبل خمسة عشر قرناً! وفي حين تكوَّنت جميع «الأمم» وحدودها من الصدامات ومن ميزان القوى لهذه «الوقائع المتحققة» التي صنع التاريخ منها، فإن بلير باسكال يشير بصورة واضحة إلى «أنه لم يكن القيام بأمر إلا بمدى قوة ما كان صحيحاً، وكان الأمر بحيث أن ما كان قوياً كان صحيحاً».
إن مثل الحد الأقصى لهذه الاستحالة يمكن إيجاده في أمريكا. فكما كتب عالم اللاهوت ألبير دوبيري من جامعة نوشاتل: «إن استعمار أمريكا يرتكز على نزع الملكية المخزي عن القبائل الهندية، لكننا لا نستطيع الاستناد اليوم إلى هذا الواقع للاحتجاج على شرعية دول نشأت في هذه القارة»(2) . غير أن «الحقوق التاريخية» للهنود في غاية
ـــــــــــــــ
(1) بن غوريون ص 530 Rebirth and Destiny of Israel.
(2) الحوار الأوروبي العربي: باريس، أيلول 1977. صدر في عام 1978 في مطبوعة فرنسا، البلاد العربية ص: 136 ـ 140.

البساطة حيال «حقوق» الصهاينة: فلم يكن الهنود أول المحتلين لأمريكا منذ آلاف السنين، بل الوحيدون حين قدم إليها الإسبان والبرتغاليون والإنكليز ثم جميع الأمم الأوروبية الأخرى، وقسموها واغتصبوا أرضها. وإذا كان لهم اليوم الحق غير القابل للتقدم في المطالبة بإمكانية العيش، فمن يرى من المشروع أن يعتبروا أنفسهم وحدهم أصحاب الأمريكيتين من أجل طرد السلالات الأوروبية واضطهادها؟
فهل يعني ذلك القول بأنه يجب، في كل حقبة من التاريخ، الاستسلام أمام ضربات القوة والتسليم «بالأمر الواقع»؟ أبداً في أي حال، ذلك أن دوام ظلم لا يخلق حقاً. ولم يؤدِ اختفاء بولونيا من خريطة أوروبا طيلة قرن ونصف (1764 ـ 1914) إلى زوال هذا البلد، ولم تكن النهضة ممكنة إلا بفضل الرفض العنيد للاضطهاد الأجنبي من قبل شعبه، والأمر ذاته اليوم بالنسبة للشعب الفلسطيني المحروم من أرض لا زال يعيش عليها ويعمل فيها منذ آلاف السنين، ليطرد منها أو ليعيش كالأجنبي على أرضه الوطنية. وإن مقاومته ليست مطالبة «بحق تاريخي» مجهول أو بعيد في الماضي، بل الرفض الحيوي لعنف دائم ضد جذور حياته.
ولا شيء يماثل الأسطورة التي خلقتها الصهيونية السياسية. فمنذ ثلاثة آلاف سنة، تشكلت بين العديد من الغزوات مملكة عارضة (73 عاماً من السيطرة الفعلية) لم تتمتّع أبداً، ولم تبحث أبداً عن التجانس السلالي. وأدت تحولات التاريخ إلى انهيار هذه الدولة، التي شهدت مصير جميع الإمبراطوريات وجميع أشكال السيطرة. وقد تم التخلص من سيطرة المحتلين الذين لم يريدوا الاندماج بالمحيط الذي كانوا يعيشون فيه، كما جرى للصليبيين الذين احتلوا فلسطين في القرن الحادي عشر، والذين عاشوا فيها عمداً مثل جسم غريب، وفرضوا سيطرتهم أيضاً، كما هو حال إسرائيل الحديثة، بالسلاح وبالتمويل من الغرب. وتم طردهم بعد قرنين من الاحتلال (1096 ـ 1291) بسلسلة من الحروب ضد السكان الأصليين، وأبحر آخر صليبي من ميناء عكا في عام 1291.
وليس للدعاة المتعصبين للصهيونية السياسية من «الحقوق التاريخية» في فلسطين أكثر مما كان للصليبيين من تلك المزاعم.
وتشكل خرافة الحنين «للعودة» غطاء للواقع الاستعماري للدولة الصهيونية في القرن العشرين. ويبقى سادة الروحانية اليهودية منعزلين، وينادون بالعودة إلى فلسطين. تلك كانت حال يهوذا هاليفي (1085 ـ 1141) الفيلسوف والشاعر اليهودي، حين كان لليهود في إسبانيا الإسلامية نظام متميز. وكان هذا الشاعر الروحاني الكبير يرى في كل يهودي نبياً ويعلن أن: «الحدس الإلهي الذي هو هبتهم الخاصة، لا يستطيع أن يزهر إلا في بلد كإسرائيل». وظل نداؤه (الذي يطالب به في أيامنا الصهيونيون السياسيون الذين لا يشاطرونه إيمانه أبداً) دون صدى، ولم يتبعه أحد (لأنه ذهب إلى القدس ومات على أبوابها). وجرى الأمر نفسه في القرن الثالث عشر، للفيلسوف الصوفي ناخمانير الذي قدم ليعيش في القدس دون أن يلحق به أحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحوار الأوروبي العربي: باريس، أيلول 1977. صدر في عام 1978 في مطبوعة فرنسا. البلاد العربية ص: 136 – 140.
ولم يكن «الحنين» هو الذي اجتذب موجات الهجرة الكبيرة إلى فلسطين، ولا الوعظ الديني للحاخامين، بل أعمال الاضطهاد . فكان اليهود قد طردوا من القدس من قبل الصليبيين، ثم طردوا من إسبانيا من قبل «الملوك الكاثوليك»(2) ـ في عام 1492 ـ، فضلاً عن الذين أُرغموا على التحول القسري تجنباً لرعب تفتيش الكنيسة الكاثوليكية، ولجأ

عدد كبير إلى بلدان أوروبية أخرى وعدد قليل إلى فلسطين، حيث كانت أساطير صفد توحد رؤيتهم التمجيدية للحب الإلهي، ولوحدة العالم مع تفسير خرافي لتاريخ إسرائيل. وستلعب الصهيونية السياسية على الالتباس الدائم بين العظمة التنبئيّة للديانة اليهودية، وبين الأسطورة التاريخية المؤسسة لهذه الصهيونية. وكان المتصوفون قد جعلوا من صفد مركز إشعاع فكري للديانة اليهودية التي لم تؤد مرة أخرى إلى هجرة كبيرة: حيث حصل الدوق جوزيف ناسي، دوق ناكسوس الهارب من التفتيش البرتغالي، من صديقيه المسلمين سليمان وسليم الثاني، على السماح له بإعادة بناء مدينة طبريا لإخوته في الدين، لكن هذه المحاولة للعودة السياسية لم تثر أي اهتمام لدى الطوائف اليهودية. فصرف النظر عنها بعيد ذلك.
وعلى الصعيد الفكري، جرى الفصل النهائي، على يد باروخ سبينوزا، بين التقاليد الشمولية العليا «للشعب المختار» والمميز عن الاستنتاجات الشوفينية والعنصرية.
ولم يكن كارل ماركس، في كتابه حول المسألة اليهودية (1844) الذي يُعتبر امتداداً لنزعة الخلاص الشمولية لكبار الأنبياء ولسبيوزا، تحريراً خاصاً لليهود غير منفصل عن التحرر الشامل من النظام الذي لقي اليهود فيه دوراً مميزاً.
إن الصهيونية قد ولدت في أرضية تختلف عن مكان نشأة النزعة الصوفية اليهودية: فهي تبحث عن حل استعماري صريح لمسألة اضطهاد اليهود في أوروبا.
فبعد طرد اليهود من إسبانيا في عام 1492، من قبل «الملوك الكاثوليك»، وبعد سقوط آخر مملكة إسلامية في غرناطة وقتل حوالي 300 ألف يهودي في بولونيا من قبل فرسان بوغدان شميلنسكي في عام 1648، و «مذابح» قياصرة روسيا بعد عام 1882، وقضية درايفوس في فرنسا (1894 ـ 1906) التي تكشف فضائح بورجوازية
كبيرة فاسدة وطبقة عسكرية حقيرة وصحافة وكنيسة ذليلتين لتجعلا من النزعة القومية وسيلة لاستمرار امتيازاتهما بأي ثمن، وفي الأخير بعد النازية التي جعلت من الصراع ضد اليهود إلهاء لتغطية أهدافها الأساسية في السيطرة على العالم ضد عدوها الحقيقي: الحركة العمالية الثورية، بعد كل ذلك طرحت مسألة إيجاد ملجأ يحقق الأمان لليهود المضطهدين.
كان تيودور هرتزل(1) يهودياً «تقياً»، ولم يحلم أبداً «بعودة» روحية إلى صهيون، بل إن قضية درايفوس في فرنسا هي التي أيقظت فيه الاهتمام بحماية اليهود من الاضطهاد، وتصور أنه أفضل حل هو إيجاد أرض يمكن أن تقام عليها «دولة يهودية» ذات سيادة.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) منذ نهاية القرن الثالث عشر، كان النص الأساسي للأدب «القبلي» («التراث» «الزُّهار» يعتبر الإنسان خلاصة للكون، ومهمة الشعب اليهودي في قلب هذه الإنسانية إعادة وحدة العالم وتثبيت مملكة الله الشاملة).
(2) صدر كتابه: الدولة اليهودية في فيينا عام 1896.

وفي السياق السياسي الاستعماري لذلك العصر، صاغ هرتزل مشروعاً مختلفاً عما نادت به النزعة الصهيونية الروحية، على مثال «أحبًّاء صهيون» الذين حملوا على يد الكاتب اليهودي الروسي أشيرغينز برغ بإقامة مركز روحي لنشر الثقافة والعقيدة اليهوديتين.
ولبلورة مطامح جميع الطوائف اليهودية في العالم دون أن تؤلف سلطة سياسة أو اقتصادية. وأنشأ في عام 1897، في مؤتمر بال صهيونية غير روحية بل سياسية. واستوحى خطته من نموذج الشركات الاستعمارية الانكليزية وتطلع إلى أبرز نموذج استعماري انكليزي، سيسيل رودس (الذي سيعطي اسمه إلى ردويسيا)، فكتب له في 11 كان كانون
الثاني (يناير) 1902: «أرجوك أرسل لي كتاباً يقول إنك درست برنامجي وانك تؤيده. وإذا سألت لماذا أتوجه إليك، يا سيد رودس، فلأن برنامجي هو برنامج استعماري»(1).
تلك هي نقطة انطلاق الصهيونية السياسية: أن يعمل هرتزل للحصول من دولة غربية على شرعة استعمارية تحمي مشروعه.
وكان يحق هرتزل أن يقول: «إنني أسست دولة يهودية، في بال»(2) لأن جميع الميزات اللاحقة لدولة إسرائيل إنما تنشأ بصورة محتومة عن مبادئ استعمارية تستند إليها. لم تكن الصهيونية السياسية، في بداياتها تتطلع إلى فلسطين بصورة مميزة، بل كان ينبغي، حسب لغة العصر الاستعمارية إيجاد «مجال حيوي»، يعني أرضاً تخضع للسيطرة الغربية، حيث يمكن تجاوز أي حساب للسكان الأصليين. وقد حاول هرتزل «الحصول على تنازلات إقليمية في الموزابيق البلجيكي»(3). وإلى جانبه من مؤسسي الصهيونية السياسية، ماكس نورد المسمى «الإفريقي»(4)، وحاييم وايزمان المدعو «بالأوغندي». وقد وضعت مشروعات إقليمية أخرى: الأرجنتين في عام 1897، وقبرص (1901 ـ 1902)، وسيناء (1902) وفي الأخير اقترحت الحكومة الإنكليزية على هرتزل أوغندا (1903 ـ 1904). لوم تقطع المنظمة الصهيونية حيال فلسطين إلا في عام 1905 بعد سنة من موت هرتزل. كانت فلسطين الواقعة على ملتقى قارتين، بالنسبة إلى هرتزل واحداً من احتمالات أخرى، فكان يرى فيها أرضاً قابلة للتفاوض عليها مع المستعمرين. ففي حين كان الاستعماريون المتنافسون من ألمانيا وروسيا وانكلترا يتواجهون في الشرق الأدنى، حيث كان غليوم الثاني يضع تصميماً لخط حديدي يربط بين برلين وبغداد وحيث كانت روسيا القيصرية تتطلع إلى المضائق للوصول إلى البحر المتوسط، وحيث كانت انكلترا تسهر على طريق الهند وعلى نفط الخليج عبر قناة السويس، كان هرتزل يراهن على جميع المطامع الاستعمارية على حد سواء، حيث يقول في كتاب، الدولة اليهودية: «سنشكل هناك بالنسبة إلى أوروبا حاجزاً ضد آسيا، وسنكون الحارس المتقدم للمدنية ضد الهمجية»(5).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Theodor's Hersel Tagebuches vol. III p. 105.
(2) المصدر نفسه Vol. II p. 24.
(3) جان بير أليم: عرب ويهود، ثلاثة آلاف سنة من التاريخ، باريس غراسيه 1968 ص 67.
(4) في 19 كانون الأول 1903، في باريس أطلق زيليغ لوبان عيارين ناريين من مسدسه صارخاً: «الموت لنوردو الإفريقي».
(5) تيودور هرتزل، الدولة اليهودية. الطبعة الفرنسية باريس 1926 ص 95، ويقول: «إن المجتمع اليهودي سيتفاوض م السلطات الحاكمة في الأراضي المعنية، وتحت رعاية القوى الأوروبية» ص 23.

تيودور هرتزل. المجلد الثاني ص 27.
وكما كان يتوقع هرتزل، إن دولة إسرائيل لا تستطيع العيش في الشرق الأدنى دون أن تتكامل معه، وشرط أن تكون فيه وكيلة لاستعمار مشترك للغرب.
ولم يتردد هرتزل ومؤسسو الصهيونية السياسية في التوجه إلى كل قوة غربية، حتى ولو كانت أسوأ «معاد للسامية» باللغة التي تلائمها. فقد كتب هرتزل في يومياته لعام 1895: «سأقول للقيصر الألماني: دعنا نرحل! نحن مختلفون. فلم يُفسح لنا المجال للاندماج بالسكان، وفي الواقع نحن غير قادرين على القيام بذلك»(6).
وينقل الكاتب الصهيوني أ. شوراكي، في سيرة حياة هرتزل أحاديث لمؤسس الصهيونية السياسية. فيقول في الرابع
من عام 1896: «في هذا اليوم كان المعادي للسامية إيفان سيموني من أشد أنصاري حماسة»(1). وفي حين يتعرض لمستقبل الشعب اليهودي «المتحرر»، يتصوره قائلاً: «كان هناك مبرر للمعادين للسامية، لكنه يجب ألا نكون حسودين، لأننا نصبح نحن أيضاً سعداء»(2).
وفيما يخص روسيا فقد قال وزير المالية القيصري وايت لهرتزل متهمكاً: «كنت معتاداً على القول للمرحوم الإمبراطور الإسكندر الثالث: «لو كان ممكناً إغراق ستة أو سبعة ملايين يهودي، لكنت راضياً تمام الرضى». وتابع هرتزل يقول إنه ينتظر بعض التسهيلات من الحكومة الروسية. ويجيب وايت «لكننا نعطي اليهود تسهيلات للهجرة، لكمات أرجل مثلاً»(3). ويعترف هرتزل: «لقد أُخذ عليّ أنني كنت لعبة في يد المعادين للسامية حين ناديت بأننا نشلك شعباً، شعباً وحيداً»(4).
أما في انكلترا، فقد أوصل وايزمن، في فترة تصريح بلفور عام 1917، إلى وزارة الحربية الإشارة التالية: «بالرضوخ لقرارنا، فإننا نعهد بمصيرنا الوطني والصهيوني إلى وزارة الخارجية وإلى وزارة الحربية الإمبراطورية، أملاً في النظر إلى المشكلة على ضوء المصالح الإمبراطورية والمبادئ المصونة بالوفاق»(5).

ـــــــــــــــــــــــــ
A Chouraqui, Theodore Hersel. Ed. Du seuil Paris 1960p. 141. (1)
(1) المصدر نفسه ص 225. لقد تأكد هذا التقارب بين الصهيونية ومعاداة السامية حتى في عهد هتلر. وتبين المخطوطات الدبلوماسية مراحل الاتفاق بين الرايخ الهتلري والوكالة اليهودية لتسهيل انتقال وهجرة اليهود الألمان إلى فلسطين، فتشهد إحدى وثائق وزارة الشؤون الخارجية الألمانية المؤرخة في 22 حزيران 1937، على حالات التردد لدى النازيين: «فجاء هذا التدبير الألماني لصالح تثبيت اليهودية في فلسطين وعجل في تشكيل دولة يهودية فيها». وقرر هتلر نفسه متابعة هذا الطريق. وقد سجل المستشار المفوض كلوديس في 27 كانون الثاني 1938: «لقد حسمت مسألة هجرة يهود ألمانيا من جديد بقرار من الفوهرر، في اتجاه استمرارها» (المحفوظات السرية الدبلوماسية) الكتاب الثاني: بلون باريس/ ص 3 و 28.
ويروي مسؤول سابق في مجموعة «شتيرون» ناثان ياليا مور الحجج التي كان يستخدمها موفد من هذه المجموعة.، في غمرة الحرب في عام 1940، لدى النازيين: «كانت مخططاتنا للهجرة الكثيفة تمثل إيجابية إضافية لألمانيا لتنفيذ بعض أهدافها المقررة: تخليص أوروبا من اليهود» (ناثان يالين مور: إسرائيل... قصة مجموعة شتيرن (1940 ـ 1948) باريس 1978، ص 98).
هذا التواطؤ بين القادة الصهيونيين والنازيين تأكد في كتاب حنا أرثير: «آيخمن في القدس»: لقد توصل د. كاستنر (باسم الحركة الصهيونية) وآيخمن إلى اتفاق سمح لبضعة آلاف من اليهود البارزين من أعضاء المنظمات الصهيونية الشبابية «بالرحيل بصورة غير شرعية» إلى فلسطين. بالمقابل خيم «النظام والأمن» في المعسكرات التي أرسل إليها مئات الألوف من اليهود (حنا آرثير ـ آيخمن في القدس، ص 54).
حول مسألة هذا التواطؤ بين القادة الصهيونيين والنازيين يراجع: «ضحايا المذابح» يتهمون: Reb Moshe Shanfil, Neturei Karta of U.S.A.
(2) A Chouraqui. Theodor Hersel. Paris 1960 P. 302.
(3) المصدر نفسه ص 259.
(4) حاييم وايزمن: الخطأ والصواب. لندن 1950 ص 252.


-----[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امل فلسطين
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
avatar

الدولة :


مُساهمةموضوع: رد: دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية    الخميس مارس 03, 2011 1:49 am




وللتشديد مرة أخرى على مدى التوأمة بين الصهيونية ومعادة السامية، فلا ضرر من التذكير بأن بلفور كان معادياً للسامية متعصباً. فكان من الذين قاموا، في عام 1905، بأقوى حملة لمنع دخول اليهود الروس المضطهدين إلى الأراضي البريطانية. وكان التصريح بالنسبة له وللقيصر الروسي والألماني يعني دفع اليهود نحو فلسطين ولم يكن يريدهم في انكلترا.[/font">
وحين وقعت بعد ذلك حقبة من المواجهة مع انكلترا، فإنها كانت تشبه ما قامت به جنوب إفريقيا ضد البلد الأم، وليس نوعاً من الصراع المعادي للاستعمار، حيث كان تمرد العرب الفلسطينيين بين عامي 1936 و 1939
موجهاً ضد الإمبريالية البريطانية وضد الاستيطان اليهودي على حد سواء، وجرى قمعه من قبل الجيش البريطاني، وبمساعدة الميلشيات الصهيونية.
هكذا فإن الصهيونية السياسة قد تعرَّت من جميع بهارج الأسطورة التاريخية التي ادعت أنها تستند إليها، وهي بالتالي ظاهرة استعمارية بشكل أساسي.
والفارق الوحيد بينها وبين الاستعمار «التقليدي» (من النمط الإنكليزي والفرنسي) أنها لا تعني استثمار السكان الأصليين باعتبارهم يداً عاملة رخيصة أو سوقاً لتصريف منتجات البلد الأم فقط. إنها استعمار استيطاني. فليس الهدف استثمار «سكان البلد» فحسب، بل الحلول محلهم وانتزاع الأرض منهم وطردهم للاستيلاء على عملهم، وإرغامهم على مغادرة البلاد، أو على القبول بالعجز السياسي فيه أي بالتمييز العنصري. وهذا ما تعنيه شعارات الصهيونية السياسية لإسرائيل: أرض يهودية وعمل يهودي ودولة يهودية.
وتعويضاً للغياب الكلي لأي أساس للمطالبة «بالحقوق التاريخية» واستخدام الصهاينة ـ وأساؤوا ذلك الاستخدام ـ حجة أخرى ترتكز على نوع من الواقعية التاريخية: هي مجازر هتلر ضد اليهود.
إنه من المفهوم بوضوح الاهتمام المشروع بإيجاد ملجأ لضحايا الاضطهاد، من قبل بعض «الصهيونيين» الذين لا يحاولون تبرير أيديولوجيتهم بنوع من الأساطير الخرافية. لكنه لا يمكن حل هذه المشكلة بارتكاب ظلم آخر لمعالجة ظلم سابق، فيطرد شعب آخر وتحتل أرضه في حين أنه لم يقم بأي دور في جريمة هتلر ضد اليهود.
إن المجازر وأعمال الاضطهاد التي وقع اليهود ضحايا لها في عصر السيطرة النازية، كانت تتطلب المعالجة، لكن هذه المعالجة لا يجوز أن تكون بأي شكل على حساب الذين لم يشاركوا في الجريمة بشيء.
لقد اعتقد البعض، ومنهم الصهيونية السياسية أن الحل الوحيد لمشكلة أمن اليهود هو بإقامة دولة يهودية، الأمر الذي لا تعتبر مؤكداً أبداً. فأية دولة كانت بمعزل عن أعمال الإبادة، خلال مجرى التاريخ؟! وأكثر من ذلك، إن «الإمبراطوريات» الاستعمارية القائمة رغماً عن إرادة السكان الأصليين، مثل الدولة الصهيونية، لم تدم في النهاية مهما بلغت القوة العسكرية للمحتل، وتبين التجربة العملية الاستعمارية في لقامة دولة صهيونية في فلسطين، كدولة محكومة بجوهرها الصهيوني ذاته بسياسة توسعية لأجل «المجال الحيوي» (لإيجاد المكان لهجرة غير محدودة) منذ نصف قرن، إنها تنطوي على حالة حرب دائمة، وعلى رعب اكبر في المستقبل، كما أن المكان الأقل أمناً لليهود في العالم اليوم هو دولة اليهود في إسرائيل. وإن الأكثرية الساحقة من اليهود في العالم (80%) تدرك بعمق هذا الأمر، لأنهم فضلوا البقاء في أوطانهم الأصلية، وحتى بعد نصل قرن من التجربة، فأن اليهود المغادرين لإسرائيل اليوم هم أكثر عدداً من الذين يقيمون فيها.
غير أنه إذا سلمنا أن إقامة دولة صهيونية كان الحل الوحيد الممكن، فإن أحداً لا يستطيع الاعتراض مثلاً على تعويض الناجين من الإبادة النازية، باسم التصحيح، بأرض «ولاية» ألمانية تشكل دولة مستقلة بصورة تامة، وتُقام بنفقات من الأوروبيين المتهمين أو المتواطئين.
إن الإبادة المرتكبة ضد اليهود تعود للتاريخ الأوروبي وإلى العار النازي.
وادعاء تصحيحيها على حساب العرب الذين كانوا غرباء عنها، هو سلوك استعماري خالص، تجري محاولة تبريرها بتواصل تاريخي مزعوم بين إسرائيل التوراتية ودولة إسرائيل الحالية، وقد أوضحنا الطابع الأسطوري لهذا التواصل. ذلك هو التمويه الأساسي للحجة الغربية «للمذبحة» التي تُزعم باسمها شرعية دولة إسرائيل على ارض اغتصبت من العرب.
«الذبيحة وإسرائيل وجهان لحدث تاريخي واحد» هذا ما يقوله جيرشوم شوليم.
ودولة إسرائيل هي ردّ «على أ. شوتيز».
باسم هذه الذبيحة لا يطالب بشرعية وجود دولة إسرائيل فحسب، بل بأي عمل ابتزازي في سياسة قادتها، ويدعو ذلك إلى التأمل والوقوف عنده طويلاً.
إن كلمة «ذبيحة» في الأصل ذات لون ديني. فتسمى ذبيحة التضحية الدينية التي تعني تقديم ضحية أو أكثر إلى الآلهة. وليس في الأمر شأناً لغوياً. فالجريمة الهتلرية حيال اليهود تفتقر إلى طابع ديني. إنها مسألة سياسية تندمج في مجموعة أوسع.
غير أن الحديث عن «الذبيحة» يعني مرة أُخرى عزل اليهود عن هذه المجموعة الأوسع لضحايا هتلر في حرب كلفت حياة أكثر من ستين مليوناً من الرجال والنساء. وبالنسبة للمدنيين خاصة، فقد أبيد ثلاثة مليون بولوني غير يهود وأكثر من ستة ملايين من فئات سلافية أخرى في عداد الناس غير المقاتلين. فهل من مصلحة اليهود أنفسهم أن ينفصلوا عن جملة الذين عانوا من الفاشية الهتلرية، والذين انتصروا عليها؟ لماذا أخذ الموت إذن طابعاً «مقدساً» بالنسبة لإحدى فصائل البشرية فقط؟
إن هذه الخصوصية تموه الطابع الحقيقي للعمل الهتلري، كما لو أنه يمكن تحديد النازية بأحد وجوهها: العنصرية المعادية لليهود. ولكوني عشت في معسكر التجمع الذي اعتقل فيه صديقي برنار لوكاش ومؤسس «الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية» فإنه يذكرني بأن دوافعنا في الكفاح الذي كان يربط بيننا بصورة أخوية كمناضلين في سبيل الحرية، كانت متشابهة، ولا أتذكر أية فكرة مشتركة بين برنار وبيني، طرحت وقائع أنه كان يهودياً ولم أكن أنا كذلك. وقد سر جميع رفاقنا في المعسكر حين ساعده حاكم نيويورك لاغارديا على إطلاق سراحه، وقد أحسسنا جميعاً بالأسى الأخوي حين علمنا بوفاته بعد عدة سنوات.
إن إطلاق كلمة «الذبيحة» على قتل اليهود، لا يعني عزلهم عن مجموعة ضحايا الهتلرية فحسب (60 مليون قتيل)، وتمويه الطابع الحقيقي للمخطط الهتلري، بل إفساح المجال للاعتقاد بأن هذا القتل، بطابعه شبه «التصوفي»، يخص التاريخ اليهودي وحده، باعتباره لحظة من اضطهاد أبدي صادر عن اصطفاء إلهي أبدي، وفصله عن التاريخ الأوروبي، يعني التغطية على كون جرائم الإمبريالية النازية ضد اليهود وضد كثيرين غيرهم، إنما هي التتمة لجرائم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في يديعوت أحرونوت، في عدد 27 تشرين الثاني 1981.
الإمبريالية الغربية بأسرها، منذ إبادة عشرات الملايين من الهنود الأمريكيين أو أكثر من 100 مليون من السود في إفريقيا، لأجل نقل عشرة ملايين من العبيد إلى الأمريكيتين، إن الإبادة المخططة من قبل هتلر ضد اليهود ليست بالتالي الجريمة الأولى للإمبريالية، ولا حتى جريمة، من اقترف أكبر عدد من الضحايا، وعزل اليهود في «ذبيحة» استثنائية، إنما يعني تمويه الأسباب العميقة لهذه الإبادات، ودعم المساعدة في إشراك اليهود مع جميع الضحايا الأخرى لهذه الجرائم في القضاء على جذورها.
أنه يعني حذف إسرائيل من تاريخ العالم، وفصلها عن العالم الثالث بصورة خاصة. فحين نادى آرييل شارون، في خطاب موجه إلى مندوبين يهود أجانب خلال لقاء في غوش إتزيون: «إنه لمن حقنا أن نطلب كل شيء من الآخرين... باعتبارنا يهوداً فليس علينا شيء لأحد، هم الآخرون الذين عليهم دين لحسابنا». ويجيب بواز إيغرون(1) رافضاً مرة أخرى هذا الفصل المصطنع بين اليهود و «الآخرين»، يعني عن بقية العالم: «فيجيبنا الآخرون»، «بقية
العالم» أولاً، إنها مسألة تخصكم أنتم الأوروبيين. وفي الصين واليابان والهند وأفريقيا، وفي العديد من مقاطعات أمريكا اللاتينية ـ يعني حيث يعيش ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية ـ قليلون من الناس هم من سمعوا عنكم. لم تكونوا مضطهدين فيها، ولم تتعرضوا للقتل، وليس لكم فيها أية حقوق. والأكثر من ذلك وبصراحة أكبر، حين ظهرتم فيها، كان ذلك لأجل المشاركة مع البيض والاستعماريين في استغلال السود والآسيويين والهنود. وإذا أردتم إجراء حسابات هذه الأجزاء من العالم، فستكشفون أنكم أنتم المدنيون... ومن الفضل أن تلتفتوا إلى وجهة أخرى، أن تسووا حساباتكم مع الأوروبيين! فناقشوا الأمر مع الناس الذين يشاركونكم الثقافة، واتركوا «العرب» مطمئنين. وهناك سؤال آخر: «ماذا تعمل بنادقكم الرشاشة من نوع عوزي بين أيدي قوى القمع في السلفادور؟...»
[font='Simplified Arabic']
ويضيف بواز إيغرون، ربما كان بوسع الأوروبيين أن يجيبوا: «لا تنسوا أن ملايين الروس والبريطانيين والفرنسيين قد لقوا مصرعهم أيضاً في الكفاح ضد ألمانيا النازية. ونجحوا في الانتصار عليها، وتمكنوا بذلك من إنقاذكم. ولو ظلوا سلبيين أمام قتل جيرانهم، لما وجدنا أي اثر لكم»(1).
فلو نظرنا في قتل اليهود الأوروبيين من قبل النازيين كجزء من كل، بدلاً من فصل اليهود عن غير اليهود، أعني كجانب من المخطط الهتلري حيال جميع الذين كانوا يدافعون عن كرامة الإنسان، وكل إنسان ضد النازية، لوضع اليهود في أفق تاريخي شامل حسب مفاهيمه في الخلاص.
لكن الصهاينة السياسية ترتكز على «الاستثنائية» وعلى النزعة الانفصالية للتأكيد على فكرة أن اليهود لا يستطيعون الحصول على الأمن في «الشتات»، بل في دولة منفصلة فقط، كما لو أن الدول وحتى الإمبراطوريات، مهما كانت قوية، لم تكن جميعها عرضة للاحتلال والتدمير، ولم يخضع سكانها للقوى المحتلة في يوم من الأيام، وليس صحيحاً أن الصهيونية السياسية كمشروع لا كتحقيق في دولة، قد خلقت اليهود. إنهم تخلصوا من النازية بفضل ستالينغراد والعلمين. ولولا هذا الوقف للهجمة الهتلرية نحو الشرق لخضعت فلسطين للإرهاب النازي في دولة صهيونية أو بدونها.
إن الحجة الخفية لهذا التحريف التاريخي من قبل الصهاينة هي سياسة. فالمقصود بهذه النزعة الاستثنائية «فصل دولة ـــــــــــــــــــــ
(1)المصدر السابق، ونضيف أن الاضطهاد عبر التاريخ، لم يكن مقتصراً على اليهود. هناك أعمال الاضطهاد ضد المسيحيين في عهد نيرون وفي عهد يوكليسين ثم ضد «البدع» وأعمال الإبادة الدموية ضد الكاثار في لانغروك وقمع الهوسيين في بوهيما والغودوا Vaudois ومحاكم التفتيش في إسبانيا، ومذابح سانت بارتيلمي في فرنسا وأعمال «التزمت» ضد الهوغنوت في انكلترا. كلها أمثلة لهذا التعصب الذي تعرض له اليهود شأن غيرهم في ذلك.
إسرائيل عن الجماعة الدولية، ولإقامة علاقة استثنائية من الجشع بعيدة عن العلاقات الطبيعية القائمة على الفهم المتبادل والمصالح المشتركة والأهداف السلمية الخلافة، بحيث يكفي طرح «الذبيحة» خارج السياق التاريخي كله، لكي يُسمح للضحية الاستثنائية لكل شيء بما فيه استثمار القتل القديم، رغم أن «المساعدة الخارجية» من جانب الولايات المتحدة تمثل اليوم أكثر من 750 دولار سنوياً للفرد القاطن في إسرائيل*، أي ما يعادل أكثر من مرتين لقيمة الدخل الوطني للفرد في البلدان الإفريقية. فماذا لو قام هنود أمريكا بإرغام «بقية العالم» على دفع تعويض أعمال الإبادة التي كانوا هدفاً لها؟ أو السود في إفريقيا بدفع «دين» العالم عن 100 مليون ضحية في تجارة العبيد؟
وجاءت العزلة التامة لإسرائيل، نتيجة لهذا الارتباط للصهيونية السياسية بالدعاية لأسطورة النزعة الاستثنائية. فالعزلة
في الأمم المتحدة ليست إلا صورة لها، ولم يكن ممكناً التصدي لها إلا بفضل الدعم غير المشروط وغير المحدود للولايات المتحدة. وإذا توقف الدعم الخارجي يوماً (كما جرى قديماً للصليبين في مجال الأسلحة والمال) فإن التبعية المالية والعسكرية للدولة الصهيونية ستكشف أن الصهيونية السياسية قد أعدّت أسوأ كارثة لليهود أنفسهم. ولتمويه هذه الحقيقة يستخدم القادة الصهاينة جميع الوسائل لخلق الاعتقاد بأنهم على حافة الإبادة كل يوم «الذبيحة الجديدة». ولأجل ذلك فهم بحاجة لمعادة السامية في الخارج، ولفزاعة «الحظر العربي» في الشرق الأوسط، في حين أنهم قد قتلوا حتى الآن، منذ دير ياسين حتى صبرا وشاتيلا عشرات الألوف من العرب، يعني أنهم ارتكبوا جرائم لا تقاس بشيء من أعمال الاغتيال الناجمة عن الاحتلال الاستعماري لفلسطين.
خلاصة القول إن هذه الاستثنائية وهذه القدسية المزيفة لسياستهم قد منعت القادة الصهاينة من بلوغ ما كانوا يزعمونه هدفاً لهم: أن يتاح لليهود العيش في دولة مثل الآخرين.
إن هذا ما تكشفه بشكل أفضل محاولة جعل المشروع الصهيوني في فلسطين شرعياً بواسطة الأسطورة التوراتية المزيفة عن «أرض الميعاد».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) في عام 1983، رفع مجلس الشيوخ الأميركي المساعدة الخارجية المقترحة لإسرائيل من جانب البيت الأبيض إلى 850 مليون دولار لدعم الوضع الاقتصادي، وإلى 910 ملايين دولار لمشتريات الأسلحة. ولا يدخل في هذه المبالغ مساهمة «الشتات».

الأسطورة «التوراتية»
«لقد وجدت هذه البلاد باعتبارها تنفيذاً لوعد صادر عن الله ذاته، ومن المثير للضحك أن يطلب منه بيانات على شرعية ذلك».
تلك هي المشكلة الأساسية التي صاغها غولدا مائير(1).
ويكرر بيغن قائلاً: «إن هذه الأرض قد وُعدنا بها، ولنا الحق عليها»(2).
ويقول دايان: «بما أننا لا نلمك التوراة، ونعتبر أنفسان شعب التوراة، لا بد أن نملك كذلك الأرض التوراتية، وأرض القضاة والحاخامين والقدس والهبرون وأريحا، ومناطق أخرى أيضاً»(3).
هكذا يستعيد القادة الصهاينة الإسرائيليون باستمرار، سواء اعتبروا أنفسهم من اليمين أم من اليسار، أعضاء في حزب العمل أم في «الليكود»، ناطقين باسم الجيش أم باسم الحاخامية، «حجة» توراتية لإسناد المطالبة بالأرض، و «حقاً إلهياً» بملكية فلسطين.
وتجري الأمور كما لو أنه يمكن إبراز قرار هبة من الله، يبرر بالاستنتاج حق نزع الملكية حيال أي مقيم آخر على هذه الأرض.
إن هذا المفهوم «للوعد»، ووسائل تحقيقه (كما يستخلصه القادة في الصهيونية السياسية من كتاب يشوع ومآثر الإبادة للسكان السابقين، وينفذونها بأمر من الله وبدعمه)، مثل موضوعات «الشعب المختار» و «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، كلها تؤلف الأساس الإيديولوجي للصهيونية السياسية.
قد فتش الاستعماريون في كل زمان وفي كل شعب عن «التبرير» لاغتصابهم وسيطرتهم. وكانت الحجة دائماً وبصورة عامة «التفوق» في الحضارة المزعومة التي تعطي المحتل «مهمة تمدينية» «لعرقه» حيال الآخرين، وكانت الحجة الدينية مادة إضافية ثمينة للغزو الاستعماري، أو بصورة أعم لإخضاع فئة اجتماعية من قبل أخرى.
وحين يعتبر شعب نفسه «الشعب المختار» من الله، يجيز لنفسه أن يكون «المكلف المطلق». فكان الفرنسيون الذراع التي يستخدمها الله، كما كانت الحملات الصليبية، وكانت إسبانيا في عهد الملوك «الكاثوليكيين جداً»هي إسبانيا محاكم التفتيش والإبادة لهنود أمريكا. وروسيا القديمة هي روسيا مذابح اليهود. وكانت ألمانيا البسماركية قبل أن تصبح ألمانيا الهتلرية أو الأوشويتزية. وكان الكاردينال سبيلمان يخاطب هيئة الحملة الأميركية إلى فيتنام قائلاً: «أنتم جنود المسيح!».
في عام 1972، أعلن فورستر رئيس الوزراء في جنوب أفريقيا المشهورة بالعنصرية الوحشية «للتمييز العنصري»: «لا تنس أننا شعب الله المكلف برسالة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر النص الكامل لهذا التصريح في صحيفة لوموند في 5/10/1971.
(2) تصريح لبيغن في أوسلو. صحيفة دافار في 2/12/1978.
(3) موشيه دايان. صحيفة جيروزاليم بوست في 10/8/1967.
في التراث اليهودي الديني يعتبر «الاختيار» «اختياراً بالمعاناة» بصورة أساسية، وهو موضوع روحي تمجيدي، إنه موضوع المسؤولية والتضحية، ومن أجلهما أودعت لديه الرسالة الإلهية. ونذكِّر مرة أخرى أن نقدنا موجه إلى الصهيونية السياسية حصراً، لأنها تستغل موضوعة الاختيار بما فيها «الاختيار بالمعاناة» (كما أسلفنا في الحديث عن الاستغلال السياسي «للذبيحة»)، في اتجاه استثمار التفوق الذي يُقدم، في التقليد الاستعماري الصافي لأيدلوجية التبرير دائماً باعتباره يحتوي على المسؤولية والتضحية المؤلمة بالمعنى الذي تحدث به روديارد كيبلينغ عن «عبء الرجل الأبيض».
إن فكرة الشعب المختار فكرة طفولية تاريخياً، لأن جميع الشعوب، في الكتابات الصادرة عنها، قد عبرت عن هذا المفهوم بصورة متميزة لديها، وترجمته بعبارات اصطفائية. فلماذا توفرت الثقة بكتابات واحد من هذه الشعوب فقط؟
إنها فطرة إجرامية سياسياً، لأنها قدست أعمال العدوان والتوسع والسيطرة. وهي لا تقبل لاهوتياً، لأن فكرة المختار «تنطوي» على فكرة «المستبعد».
وكل سياسة تزعم أنه تستند إلى هذه الأسطورة، تعود إلى نفي ورفض للآخر. وليس هناك لاهوت للوحدة، ذلك أن الإنسان الوحيد والمكتفي بذاته، ليس فيه شيء من الله.
ولا يخرج الاستعمار الصهيوني عن هذه القاعدة. وقد رأينا كيف ينطوي على نفي وجود الشعب الفلسطيني ذاته (غولدا مائير) وعلى طرده، من دير ياسين إلى بيروت (بيغن)، وانتصاراً لما سيحدث فيما بعد.
إن الظاهرة الأيدلوجية للأهمية المخصصة في إسرائيل لبعض النصوص التوراتية هي الأكثر بروزاً بحيث إن الصهيونية السياسة تكونت ضد الاحتجاج الديني اليهودي الذي عبر عنه الحاخامون في 1897، والذي اعتبر إعادة أرض فلسطين بالمال والسلاح خيانة لقيم الأعلى والأنبل في اليهودية.
وحين باشر هرتزل حملته في عام 1880، صرف النظر عن اقتراح عقد مؤتمر في ميونيخ بسبب معارضة الحاخامين الألمان الذين أعلنوا: «أن محاولة إقامة دولة يهودية في فلسطين يتعارض مع وعود الخلاص لليهودية»(1). وقد كتب ألبيرت اينشتاين في الثلاثينات: «في رأيي أن الوصول إلى اتفاق مع العرب على قاعدة حياة سلمية مشتركة أكثر عقلانية من إقامة دولة يهودية... إن إدراكي للطبيعة الأساسية لليهودية تصطدم بفكرة دولة يهودية تتمته بحدود وجيش وخطة سلطة زمنية، مهما تكن متواضعة. إنني أخشى الأضرار الداخلية التي تتعرض لها اليهودية بسبب تتطور نزعة قومية ضعيفة في صفوفنا... فلم نعد نحن اليهود في عصر المكابين. وإن التحول إلى أمة، بالمعنى السياسي للكلمة، يعادل التحول عن روحانية طائفتنا التي نحن مدينون بها لعبقرية أنبيائنا»(2).
إن الأكثرية الساحقة للإسرائيليين الحاليين لا تشارك في الممارسة الدينية ولا في الإيمان، ولا تضم مختلف «الأحزاب الدينية» التي تلعب دوراً حاسماً في دولة إسرائيل، إلا فئة قليلة من المواطنين.
ويشرح ناثان وينستوك هذه المفارقة بصورة واضحة: «إذا انتصرت الظلامية الحاخامية في إسرائيل، فذلك لأن ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Forest: the unholy land (Mac Cle _ Land Stewart limited, Toronto _ Montreal.)
(2) أوردها موشيه مينوحين: انحطاط اليهودية في عصرنا. 1969 ص 324.
الصوفية لا تتماسك إلا بالعودة إلى الدين الموسوي. أزيلوا مفاهيم «الشعب المختار» و «أرض الميعاد» فينهار أساس الصهيونية السياسية. لذلك فإن الأحزاب الدينية تستمد قوتها من تواطؤ الصهيونيين واللأرديين، على نحو متناقض. فقد فرض الترابط الداخلي للبينة الصهيونية لإسرائيل على قادتها تعزيز قوة رجال الإكليروس. والحزب الاشتراكي الديمقراطي «ماباي» هو الذي سجل دروس الدين الإلزامي في برامج التدريس، بضغط من بن غوريون، وليس الأحزاب الدينية»(1).
للأسباب ذاتها، لا وجود للزواج المدني في إسرائيل. فلا يمكن الزواج ولا الانفصال ولا الطلاق فيها إلا حسب قواعد التوراة (القوانين الدينية لأسفار موسى الخمسة).
والنتيجة الرئيسية لهذه الاستحالة في فصل الكنيس اليهودي عن الدولة، أن دولة إسرائيل لا زالت بدون دستور بعد أكثر من أربعين سنة على قيامها. «ذك لتجنب الاصطدام بأحزاب الإكليروس التي تطالب بجعل التوراة القانون الأساسي للدولة»(2).
أما مبدأ الدولة الصهيونية ذاته، فهو تعريف اليهودي الذي يعطي القانون الأساسي المكوِّن «للعودة» هذا الطابع الإكليريكي والتمييزي.
ويقضي قانون العودة (5710 لعام 1950):
1 ـ لكل يهودي الحق في الهجرة إلى إسرائيل...
2 ـ في مقتضيات هذا القانون، يعتبر يهودياً كل شخص يولد من أم يهودية أو معتنق (لليهودية) ولا ينتمي إلى أي دين آخر»(3).
ولا معيار آخر غير عنصري (نقل الدم عن طريق الأم) أو ديني (الاعتناق) ولا يكون نافذاً إلا من قُبل من جانب حاخام «أصولي».
إن أيدلوجية التبرير الخاصة بالصهيونية نستعيد الوعد المعطى إلى إبراهيم في التكوين، الإصحاح الخامس عشر الآية 18: «في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات».
لقد ذكرنا فيما سبق أنه لا وجود أي أثر أو دليل لهذه الرواية القديمة عن إسرائيل خارج العهد القديم: فهل تستطيع مجموعة بشرية، مهما كانت، أن تفرض على شعوب أخرى القبول بأية ضمانة أخرى غير إيمانها بتراثها الخاص قاعدة لوجودها؟
وكانت جميع شعوب الشرق الأوسط (من بلاد ما بين النهرين إلى مصر مروراً بالحثيين) قد عرفت مثل وعود
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [/font">Nathan Weinstck: Le sionisme contre Israel (Maspero 1969. P. 315)
(2) المصدر السابق ص 316.
(3) أعاد هذا النص كلود كلاين (مدير معهد الحقوق المقارنة في الجامعة العبرية في القدس): «الطابع اليهودي لدولة إسرائيل» ص (155 ـ 165).ويعتبر هذا الكتاب الصادر بالفرنسية عن رجل قانون بارز أساسياً في تحليلاته الهامة لقرارات المحكمة العليا في إسرائيل.


إبراهيم ذاتها: أرضاً ونسلاً. فلماذا لا يستعيد السوريون كحق تاريخي الوعود المعطاة «لجدودهم الحثيين» (وقد دامت إمبراطوريتهم، على عكس مملكة داود وسليمان، ما يقرب من ألف سنة، من القرن الثامن عشر إلى الثامن قبل الميلاد) بفضل الإلهة أرينا التي «رسخت حدود البلاد»؟(1) إننا نعتبر بحق، مثل هذه المزاعم مدعاة للسخرية. فلماذا إذن نأخذ موقفاً آخر حيال نصوص مماثلة لحضارة مجاورة، ونعتبر أنفسنا ورثتها؟ (أنظر رسالة القديس بطرس الأولى).
فلا بد لنا إذن من أن نعتبر هذه القراءة للتوراة قراءة قبلية، أي أنها ترى من تراث قبيلتنا وحده المقبول شرعاً، وأن تراث القبائل الأخرى حتى المجاورة منها غير موجود.
هذه القراءة للتوراة، حتى لو سلمنا بالمفهوم القبلي لقيمتها الحصرية، منفصلة عن قراءات أديان الشرق الأوسط، وقريبة منها الآن نفسه، إنها قراءة اصطفائية تختار هذا الفصل أو ذاك لأنها تبرر مسلكاً راهناً وتستبعد هذا الحادث أو ذاك وتدينه.
إن هناك في العهد القديم روايات تبرر عمليات أورادور ودير ياسين والاجتياح والإبادة. ويؤكد كتاب يشوع الذي يدرس في التعليم الرسمي(2)، والذي تستعيده الحاخامية العسكرية في إسرائيل اليوم كثيراً لتبشر بالحرب المقدسة، على الإبادة للسكان الخاضعين للاحتلال، وعلى إخضاع جميع الناس «من رجل وامرأة، ومن طفل وشيخ»، «بحد السيف»، (يشوع، 6ـ 21)، كما ورد في الحديث عن أريحا وعن الكثير من المدن الأخرى.
وتُروى في سفر العدد (الإصحاح 31، 9 ـ 18) مفاخر «بني إسرائيل» الذين انتصروا على المديانيين «كما أمر الرب موسى، وقتلوا كل ذكر»(7) «وسبى بنو إسرائيل نساء مديان»، و «أحرقوا جميع مدنهم» (10)، وعندما عادوا «سخط موسى... وقال لهم هل أبقيتم كل أنثى حية....! فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكراً قتلوها.. لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهنَّ لكم حيَّات» (15 ـ 18).
إن هذه الروايات هي من أعمال لاهوتيين أرادوا إعلان إيمانهم بإله لا يقهر، رغم هزيمة شعبه. فكان الآشوريون يعتبرون انتصارهم للإله آشور ضدّ يحي المهزوم. وكان لاهوتيو عصر النفي يتمسكون بالقول إنه إذا كان شعبهم قد غلب، فلا يعني ذلك أن ربه يهوه كان ضعيفاً، بل لأن شعبه وقع في الخطيئة وعاقبه على ذلك.
ويشكل الإكثار من روايات القتل والإبادة المقدسين نقداً للطريقة التي كان الملوك يخوضون حروبهم بها للفوز بالغنائم. ومن تقاليد «الحرب المقدسة» استبعاد جني الغنائم من الانتصار. وكان هذا اعتقاداً ومسلكاً دارجين في ذاك العصر في هذا الجزء من العالم. وتنطوي «اللعنة» على إبادة المغلوبين حتى ماشيتهم، وكان القسم أن يمتنع الفائز بنصر الله عن أية غنائم. فلا يباع المغلوبون كالعبيد، ولا يستولي على ماشيتهم، بل يباد كل شيء هذه هي الإبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أديان الشرق الأدنى، Les religions du proche _Orient 1970, p. 557.
(2) وزير التربية الوطنية هو أحد رؤساء الحزب الديني.
المقدسة.
ويمثل الاستيلاء على أريحا نموذجاً لصنع الأساطير التاريخية، ويعتبر هذا الاستيلاء مُختَلفاً، ويؤكد علم الآثار أن «أريحا قد دمرت في القرن الرابع عشر، وكانت مقفرة في العصر المفترض ليشوع»(1).
ومع ذلك فإن هذه التركيبات التاريخية تستخدم في المدارس الإسرائيلية، لغرس نزعة التعصب في الأجيال الشابة. وقد قام عالم النفس غ. تامارين من جامعة تل أبيب بالاختبار التالي: قام بتوزيع رواية إبادة أريحا من قبل يشوع (الإصحاح السادس، 20) على 1000 تلميذ في الصفوف بين الرابع والثامن (حيث يرد كتاب يشوع في برنامجهم، وطرح عليهم السؤال التالي: «نفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل قرية غربية خلال الحرب، فهل يجب جعل سكان القرية يلقون المصير الذي أنزله يشوع بسكان أريحا؟ فتراوحت الإجابات «بنعم» بين 66% و 95% حسب المدرسة والكيبوتز والمدينة»(2). وأدَّى نشر نتائج هذا التحقيق الذي كشف الوجه الحقيقي للمجتمع، إلى طرد البروفسور تامارين)
وتتناوب الحاخامية والجيش على تأمين هذا التكييف للأدمغة في المدرسة. فلم تتوقف وظيفة التوجيه العسكري للحاخامين عن التبشير بالحرب المقدسة، خلال الاجتياح الأخير للبنان. ويحدد الموضوع الأساسي حاخام برتبه نقيب: «يجب ألا ننسى المصادر التوراتية التي تبرر هذه الحرب وتبرز وجودنا هنا. فنقوم بواجبنا الديني اليهودي. ويقضي الواجب الديني، حسب النصوص باحتلال الأرض من العدو».
إنهم يستخدمون قراءة اصطفائية حقاً، لا نقدية ولا تاريخية للتوراة، فلا يحتفظون إلا بما يمكن أن يساعد في إضفاء الشرعية على الاحتلال ووسائله البربرية، ذلك أن هناك نصوص أخرى من العهد القديم مستوحاة من روح مغايرة تماماً.
ففيما يخص الوعد، لم يكن إبراهيم مالكاً أرض كنعان التي قام باقتحامها مجاملة لهبرون مع الحثي عفرون، ليشتري له حقلاً في ماكبيلا أمام مميرا، ويدفن فيه زوجته سارة (التكوين، الإصحاح 23، 3 ـ 20).
هذا نموذج آخر من هذا التقليد المزدوج: فقد ورد في سفر القضاة (1 ، Cool أن أبناء يهوذا احتلوا القدس بعد موت يشوع، وأبادوا السكان. وورد عكس ذلك في السفر نفسه (الإصحاح الأول، 21): «وبنو بنيامين لم يطردوا اليبوسيين سكان أورشليم، فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين إلى هذا اليوم».
وفي سفر صموئيل الثاني نرى داود يعتبر الأرض قليلة جداً كشيء «موعود به» فيشتري من ملك اليبوسيين أرونة، حقلاً ليبني معبداً بخمسين شاقلاً من المال (الإصحاح 44، 24). كما يُروى في أخبار الأيام الأولى كيف اشترى داود هذه الأرض (الإصحاح 21، 18 ـ 25)، رغم أن ملك اليبوسيين، في هذه الرواية يدعى أرنان، وأن الثمن كان ست ماية شاقل، فإن هذه التناقضات ثانوية. والثابت أن داود لم يكن يتصرف كمالك، ولم يحاول إبعاد السكان الأصليين، بل على العكس كان يفاوض بأدب، مثل إبراهيم من قبله.
والأمر نفسه حول الأساليب: فيقدم لنا سفر القضاة من الدخول إلى أرض كنعان رواية مقابلة لرواية كتاب يشوع،
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأب فو: التاريخ القديم لإسرائيل. ص 447.
(2) لبنان، فلسطين، كتاب صادر عن «المركز البروتستانتي الغربي» باريس عام 1977 ص. 84 ـ 86.
حيث قامت القبائل المتحدة في دولة واحدة وتحت قيادة واحدة، بتقتيل السكان وإبادتهم في طريقهم، ويذكر التغلغل البطيء في الغالب والعنيف أحياناً، لكن دون مواجهات كبيرة مع المدن الكنعانية التي كانت عرباتها القتالية عصية على التغلب عليها بالنسبة لقبائل رحَّل تعمل كل واحدة لحسابها الخاص. وأن نشيد دبوره للنصر في الإصحاح الخامس من سفر القضاة، أحد أقدم نصوص العهد القديم، شبيه بالأناشيد المصرية الحربية لزمن تحوتمس الثالث أو رمسيس الثالث، وهو أحد حلقات الانتصار النادرة في هذه الرواية، ذلك أن أيدلوجية الحرب المقدسة والإبادة المقدسة للسكان ليست بارزة فيها كما هي سفر يشوع.
وبدلاً من الاستناد إلى النزعة الحصرية ورفض الاندماج ونفي وسحق الآخر، فإنه يدعو بثبات: «فأحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في ارض مصر» (التثنية، الإصحاح العاشر، 19). الخروج، الإصحاح الثاني والعشرون، 20؛ اللاويين الإصحاح التاسع عشر، (33 ـ 34). ويجري التأكيد بوضوح ضد أي تمييز: «تكون شريعة واحدة لمولود الأرض وللنزيل النازل بينكم» (الخروج الإصحاح الثاني عشر، 49). ولا يكمن التحرير أبداً بالحلول محل المضطهد القديم.
إن القراءة القبلية والقومية والعنصرية للتوراة من جانب الصهيونية السياسية ترفض الإصغاء إلى لعنات ميخا:
«اسمعوا هذا يا رؤساء يعقوب
وقضاة بيت إسرائيل
الذين يكرهون الحق ويعوجون كل مستقيم
الذين يبنون صهيون بالدماء وأورشليم بالظلم
....كذلك بسببكم تفلح صهيون كحقل
ونصر أورشليم خرباً وجبل البيت شوامخ وعرة»
(الإصحاح الثالث 9 ـ 13).
هذه القراءة الانتقالية قد استخرجت ثلاث أساطير أساسية: أسطورة الشعب المختار، وأسطورة هبة أرض كعنان إلى هذا الشعب، وأسطورة «إسرائيل الكبرى» اليهودية بصورة حصرية.
غير إن قراءة نقدية للتوراة تعيد هذه الموضوعات إلى العصر الذي نشأت فيه، وتبحث عن المقاصد السياسية واللاهوتية المنطلقة منها، يمكن أن تتيح تكاملها مع قصة مخطط الإنسان وقصد الله.
إذا كانت التوراة بالنسبة للإنسان المؤمن، هي وحيُ من فيض الله في الحياة البشرية لإعطائها مغزاها، فإن المهم فوق كل شيء تمييز التجليات «الشعرية» (يعني المبدعة) للفعل الإلهي.
فلا يمكن بالتالي قراءتها ككتاب في التاريخ، كما يقرأ التاريخ الروماني، لأن نصوصها تصبح، حسب هذه النظرة، أدنى كثيراً من ناحية القيمة «الموضوعية»، فلا شيء قابل للبرهان بصورة موضوعية في القصص التوراتية، حول «حركة» أرباب العائلات (البطاركة)، وحول الإقامة في مصر، وحول الخروج، وموسى وإقامة في أرض كنعان، لأن أي تحقيق غير ممكن، سواء بواسطة وثائق مكتوبة صادرة عن مصادر خارجية غير التوراة نفسها، أم بواسطة بقايا أثرية. فإن موت سليمان «هو أول حدث في تاريخ إسرائيل يمكن تحديده بدقة»(1). لأنه يمكن تثبيت مقارنة تاريخية مع تاريخ الإمبراطورية الآشورية الجديدة التي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Noth Histoire d'Israel P.225.


حددت بدقة بواسطة الحسابات الفلكية.[/font">
وليس ثمة أي شارح جدي يعترض اليوم على القول بأن النصوص التوراتية التي تنسب إلى «يهوه» كمصدر لها، قد وضعت، على أبعد تقدير، في عهد مملكة سليمان (حوالي منتصف القرن العاشر قبل الميلاد)، وأنها مجموعة منتخبات من التراث الشفهي،. فإذا أخذنا بالتالي، معايير «الموضوعية» التاريخية، فإن هذه النصوص التوراتية التي تستعيد ملحمة تعود إلى عدة قرون، لا تحمل «تاريخاً» بالمعنى الوضعي لهذا التعبير، أكثر مما تحمله «الإلياذة» أو «الرامايانا».
وحسب هذه النظرة لوضعية تاريخية قاصرة وغير إنسانية، وغير مرتبطة إلا «بالوقائع» وليس «بالمعنى»، فإن «الوعد» المعطى لإبراهيم و «العهد» و «الاختيار» والتضحية باينه اسحق و «الخروج»، وحتى شخصية موسى، كلها تفتقر إلى أي واقع «تاريخي».
ومن وجهة النظر «العلمية» (بالمعنى الضيق للكلمة، أي بالمعنى الوضعي على أساس العلمية الفلسفية) لا يثبت شيء من الوعد والاصطفاء والتحالف، ومن كل تاريخ إسرائيل حتى مملكة داود.
لكننا إذا ألقينا على التاريخ نظرة غير قاصرة بل خاصة بالإنسان أي إذا بحثنا كيف أصبح الإنسان في الماضي إنساناً، والاختراعات «الشاعرية» التي حاول أن يعطي بها معنى لحياته وموته، على عكس جميع الأنواع الحيوانية الأخرى، وصور البطل أو القديس التي أدركها أو عاشها كبلوغ للحد الأقصى في السلوك الإنساني الخاص في الحياة، فإن المسألة التاريخية تغير مكانها.
لم تعد المشكلة أن نعرف ما إذا كان إبراهيم ق ولد فعلاً في مدينة «أور في كلدة» الأمر الذي يعتبر من جهة أخرى مفارقة تاريخية(1).
وما إذا كانت مسيرة حياته كما وصفت لنا، وما إذا كان الله قد ظهر له (تحت أية صورة) ليقطع له وعداً ويهبه أرضاً أو يمنحه ذرية، وأن نعرف على أي جبل يقع «الجب المؤجج» لموسى، أو ما إذا كان يشوع هو القائد العام للقبائل والمهلك للكنعانيين (كما سيصبح آخرون بعد عدة قرون قتلة للهنود)، الخ.
المسألة مختلفة تماماً، ولا تستبعد البحث عن الدقة العلمية الأكثر تشدداً، بل على العكس تنطوي عليها وتفترضها، المسألة هي التالية: في أي وقت، وفي أية ظروف تاريخية، وفي أية جماعات بشرية، ومن أجل أية أهداف وضعت هذه الروايات التأسيسية الحاسمة لتكوين الإنسان والحياة والأبطال الحقيقيين والأسطوريين؟ والمهم أن رجالاً قد استطاعوا إدراك هذه الصور وخلقها لأنفسهم. لقد حاولوا أن يعيشوا وفق هذه النماذج التي كانت تفتح واقعاً جديداً في التكوين البشري، وتفتح آفاقاً جديدة غير محدودة، وتكتشف هذا القياس الجديد لوضع تحديد نسبي لأي مشروع إنساني ولأي تحقيق له نسبة إلى الأفق اللانهائي للقافلة البشرية (2). إنه أفق لا نهائي يسميه تراث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم تظهر التمسيه «كلدة» إلا في القرن التاسع، بعد عدة قرون من الزمن الذي يحدد فيه التقليد رب العائلة.
(2) العجيب أن رجالاً «شعراء» أمكنهم أن يتخيلوا ويخلقوا صور هكتور وراما اللذين هما خميرتان حيتان في حياته، رغم أن معركة هكتور ضد أخيل في طروادة هي أسطورة كما انتصار راما على رفانا في سري لانكا. وإذا كان يقصد أن «الواقع» هو ما يترك فينا أثره، ويوقظ فينا الفعل، فإن هذه الأساطير أكثر واقعية من الكثير من «الوقائع» اليومية.
إبراهيم الله، ويسمح للإنسان بإكمال «حركات اللانهائي» في الأعمال الأرضية كما كتب كيركيجارد في تأمله الذي لا مثيل له حول إبراهيم فارس الإيمان(1).
فلنعد الآن، في هذا المنظور«اللاهوتي»(2)، إلى موضوعات الاختيار والعهد والوعد بالأرض والذرية، ليس لأجل الإمساك بها «كوقائع» (على ضوء سند الملكية أو البرنامج السياسي، مما يشكل الإدعاء الساخر والقاتل للصهيونية السياسية)، بل لأجل التقاط «معناها» كتركة تمجيدية لليهودية من منطلق السلالة الإبراهيمية الكبرى لليهود والمسيحيين والمسلمين.
إذا قبلنا أن التأريخ المعترف به حالياً في التفسير العلمي الذي لم يكتب وفقاً له أقدم مؤرخ وهو اليهوه، قبل عهد سليمان، فما هي الرسالة التي يريد نقلها إلى معاصريه؟ (3) ويرى البعض مثل فون راد Von Rad في كتابه، لاهوت القديم، في نصوص اليهوه، تشريعاً لمملكة داود (ضد تأوهات الحنين إلى الاتحاد القبلي القديم)، ويلح آخرون مثل ألبير دوبوري على الوجه غير الاعتزازي بل النقدي لكتاب يهوه الذي يذكرنا بأن قصد الله و «وعده» يتحققان بالرغم من عدم أهلية من اختارهم، ويشدد على مواطن العجز، حتى لدى إبراهيم، في جوهر الوعد: الأرض (التي تركها)، ونسله (حيث تواطأ بجبن جاعلاً امرأته سارة أختاً له لتصبح من حريم فرعون)(4).
والفكرة الثابتة في كتاب الله الإلحاح على عظمة الله وعلى مجانية هباته في آن معاً، فالله يبقي مباركته رغم مظاهر الضعف لدى البشر الذين تلقوا الوعد، ويتبين أنهم غير جديرين به. وفي العديد من الفصول يتم التشديد على أن كارثة تقع كلما يستخدم رب العائلة أو أفرادها الحيلة أو الضعف حيال الآخرين: حين استسلم إبراهيم لتأثير زوجته سارة، وطرد جاريته أم ابنه (التكوين الإصحاح السادس عشر) وحين تعرض يوسف لغدر إخوته (التكوين الإصحاح الخامس والعشرون والسابع والعشرون)، وحين قتل أبناء يعقوب سكان شكيم أثناء قيامهم بالاحتفالات الدينية (التكوين الإصحاح الرابع والثلاثون).
وفي كل مرة كان يحاول إبراهيم فيها «امتلاك» الوعد، وتحقيقه بوسائله الخاصة، بالقوة أو بالحيلة، كان يلقى الفشل. ولم يستطع العيش إلا بالتفاهم مع جيرانه.




-----[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


عدل سابقا من قبل امل فلسطين في الخميس مارس 03, 2011 2:01 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امل فلسطين
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
المسؤولة الاعلامية مراقب عام منبر فلسطين والقدس
avatar

الدولة :


مُساهمةموضوع: رد: دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية    الخميس مارس 03, 2011 1:58 am


وفضلاً عن ذلك، فإن كتاب الله يقرن تحقيق مملكة داود وسليمان، في إطار القصد الكوني لله، مذكراً بأن وعد الله لا يكتمل إلا حين تتبارك فيه «جميع قبائل الأرض»(5).
وليس من المفيد، في صدد موضوعنا، دراسة المصادر الأخرى الأقل قدماً، المقاطع التي تعود إلى مطلع القرن
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورين كيريكغارد «خوف وارتجاف» في المؤلفات الكاملة 1972، المجلد الخماس مذبح إبراهيم ص 104 ـ 105. هذا التأمل حول الفعل المؤسس للإيمان في «ذرية إبراهيم»: اليهودية والمسيحية والإسلام يبدو لنا حالياً كل المشاكل الهامة في عصرنا، وخاصة مشكلات العلاقة بين الإيمان والأخلاق والسياسة والعلم.
(2) أقصد بكلمة «لاهوتي» دراسة الإنسان وتاريخه بحيث لا يستبعد بالبداهة البعد المتسامي للإنسان، يعني إمكانيته الدائمة للقطيعة «الشعرية» مع حتميات ماضيه (الواقعية الجزئية والكلية) ومع «تساؤله» الذي لا يكف عن البحث في معنى الحياة والموت.
(3) أنظر في هذا الموضوع التركيب القاطع لألبير دوبوري: Les sources du pentanten-que: une breve introduction, les cahiers protestants, septembre 1977.P. 37- 48.
(4) التكوين (الإصحاح الثاني عشر، 10- 20).
(5) المصدر نفسه (الإصحاح الثاني عشر، 3).
الثامن، وتثنية القرن السابع، والنظام الكهنوتي، الموضوعة كلها في مرحلة النفي في القرن السادس قبل الميلاد.
إن كون الآباء، وفي المقام الأول إبراهيم، ليسوا شخصيات تاريخية وكون العهد والوعد والاصطفاء قد نشأت من الأسطورة و ليس من التاريخ، كل ذلك لا يمنع من التساؤل حول مغزى هذه الأساطير، بل يدفع إلى ذلك؛ لأن العهد الإلهي والهدف البشري، والاصطفاء هو مسألة مسؤولية حين يتحمل بعده المتسامي.
وكما يذكر القرآن أكثر من مرة «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه» (1). لكي يستطيع توضيح الرسالة. فإن التوراة تقدم لنا عدة صيغ متوالية للوعد بالأرض والتسامي، ففي أول الأمر بالوعد للقبائل البدوية، المتنقلة وراء العشب، في ارض يستطيعون أن يتحضّروا فيها (هذه هي الحال في التكوين، 28، 10 ـ 22). ولا ينطوي هذا الوعد على الاحتلال العسكري والسياسي للأرض، بل على إقامة المدن. ويلي ذلك (صيغة ثانية للوعد موسعة على الأبعاد والقومية) تبرير غزاوت داود بعد فوات الأوان، حيث تضمن سيادة «الشعب المختار» على جميع المناطق الواقعة «من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات» (التكوين، الإصحاح الخامس عشر،18).
ويمتد الوعد في رواية ثالثة (مع التمسك بالعهد القديم) إلى «جميع قبائل الأرض» (التكوين الإصحاح الثاني عشر 3).
إن الخط الموصل إلى هذا التاريخ للوعد هو حرص الله الدائم على سلامة الإنسان(2): فيعد البدويَّ بالأمن والازدهار لذرية سعيدة على أرض غنية حيث يستطيع أن يتحضر فيها، ويعد شعباً ثبت في الأرض بدولة مستقرة ومزدهرة، كما كان يؤمل في عهد داود؛ أو يفتح أفق دعوة الأرض كلها إلى تحقيق أرقى مشروع للإنسان وقصد الله على النحو الذي يطرحهما فيما بعد النبي أشعياء (الإصحاح الثاني، 4)
ولم يؤجل خلاص الإنسان إلى عالم آخر أبداً، ذلك أن العقيدة الإسرائيلية القديمة تبدو أنها تستبعد مثل هذه الثنائية، لكن الأرض والسلطة السياسية لم تكونا أبداً غاية في ذاتها. بل كانتا دائماً مرتبطتين بالتسامي نحو الله.
فالأرض تخص الله وحده «والأرض لا تباع البتة، لأن لي الأرض وأنتم غرباء ونزلاء عندي»(3). ولكسر الرابط بين الإنسان والأرض، يقضي الله، أن يعاد توزيع الأرض من جديد، في السنوات البوبيلية (كل تسعة وأربعين عاماً)، حيث تكون «محررة في اليوبيل، ورجع الإنسان إلى ملكه»(4).
والسلطة مثل الأرض، تخص الله وحده. ففي سفر صموئيل الأول (الإصحاح الثامن، 10 ـ 18) يحذر صموئيل الشعب من الارتهان الذي ينطوي عليه تأسيس المملكة في إسرائيل.

إن هذا «التحرير» الحقيقي حيال الملكية والسلطة هو الدرس الكبير للخروج ولموسى: «مثل عمل ارض مصر التي سكنتم فيها، لا تعملوا (1)». والتحرير ليس هو الملكية والسلطة المتغيرة من يد إلى أخرى فقط، بل يصبح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القرآن الكريم سورة إبراهيم الآية .
(2) في مغزى الوعد أنظر أطروحة ألبير دوبدري Promesse divine legend culturelle dans le cycle de Jacob. Paris (2 Volume)
(3) اللاويين: الإصحاح الخامس والعشرون 23.
(4) المصدر السابق: الإصحاح نفسه 28.

المضطَهَدون البارحة مضطهِدين اليوم.
تلك هي الرسالة العجيبة لليهودية إلى العالم، التي خانتها الصهيونية السياسية بتحريف جذري لمعنى الوعد.
لقد خانت الصهيونية السياسية الديانة اليهودية وحرَّفت المسيحية.
أليس الاستسلام لتحريف ما كان إرثاً مدهشاً لليهودية، عقيدة إبراهيم التي لم تكن تبحث عن التمتع بوعود الله، بل عن الالتزام بمتطلباتها، أليس ذلك الاستسلام تحريفاً أساسياً للمسيحية.
لقد أشار كيركيغارد بصورة أعمق من أي لاهوتي آخر، سواء كان يهودياً أم مسيحياً أم مسلماً، إلى القضية المركزية في الإيمان لجميع الأجيال الإبراهيمية اللاحقة المقصودة «بالوعد» الذي هو بالنسبة للأديان الثلاثة (مما يوحد بينها) وعد ليس بالامتياز بل بالمسؤولية، حيث يخضع هدف الإنسان إلى إرادة الله، مع جميع المخاطر التي تنطوي عليها مغامرة التمجيد بالإنسان الذي لا يستطيع أبداً بلوغ اليقين في ماهية إرادة الله؛ كما أشار كارل بارث k.Barth إلى أن كل ما يقوله عن الله، إنما هو قول إنسان. ويقول كيريغارد: «أقصد أن استخلص من قصة إبراهيم الموضوعة في عدة مسائل، الجدل الذي تنطوي عليه لكي نرى أية مفارقة خارقة هو الإيمان، أية مفارقة قادرة على أن تجعل من جريمة فعلاً مقدساً ومحبباً إلى الله، مفارقة تعيد لإبراهيم ابنه اسحق، مفارقة لا تستطيع أن تقلل منها أية محاكمة عقلانية، لأن الإيمان يبدأ على وجه الدقة حيث ينتهي العقل»(2).
فهل شفي المسيحيون الذين جروا إلى شعارات الصهيونية السياسية حول «أرض الميعاد» و «الشعب المختار» من أضاليل الكنيسة المزمنة المغذية لمعادة السامية المسيحية؟ وخاصة من التهمة الدينية الموجهة ضد اليهود بأنهم قتلة يسوع المسيح «قتلة الإله»؟ وتحاول الكنيسة ذاتها اليوم تصويب الرمي بارتكاب مغالطة مقابلة: فبعد إلقاء اللعنة على الشعب «المنفي» تعطي ضمانة للشعب «المختار». إن العرج بالقدمين لا يعني السير المستقيم. وهناك قديسون كما هناك مجرمون. لكن ليس هناك أمم مقدسة، كما ليس هناك أمم ملعونة.
وبعد خصام تجاري ادعت فيه الكنيسة أنها حاملة «الاختيار» الموروث «للشعب الكاهن»، ها هي على استعداد للتسوية والتقاسم، كما لو أن هناك طوائف في نسل إبراهيم، وكما لو أن عقيدة إبراهيم كانت «إرثاً» يمكن أن يطالب به شعب أو عرق أو مؤسسة أو كنيسة، ليست إلزاماً مشتركاً لجميع الذين يحاولون الاستجابة لنداء الله.
فما هي إذن هذه «النزعة الكاثوليكية» أو هذه «النزعة الغربية لتوحيد الكنائس» التي تتظاهر بجهل الأطراف الأخرى للجماعة الإبراهيمية: اليهود قبلهم والمسلمين بعدهم؟
إنه لأمر فظيع، لنقله بوضوح، أن يفصل مسيحيون «الوعد» بالأرض عن الوعد «بالمملكة»، كما لو أن توراتهم لم تكن تشكل كلاً موحداً، على طريقة الإسرائيليين الذين يعزلون تلك الميول القومية والعنصرية في التوراة عن شمولية الأنبياء من عاموس إلى أشعياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه: الإصحاح الثامن عشر، 3.
(2) كيريكغارد. المؤلفات الكاملة ص 145.
فمن أي مفهوم لعقيدة إبراهيم ورسالة يسوع حول «الملكوت» يمكن أن يستوحي جاك مارتين حين يقول: «فلسطين هي الأرض الوحيدة التي يكون فيها شعب على يقين بصورة مطلقة وإلهية أنه على حق بها دون منازع»(1)، كما لو أنه يشارك في الوعد بما يشبه الامتياز والحق في الملكية، وليس بما يشبه المسؤولية والرعاية.
وهناك وثيقة ذات عنوان: الاتجاه الرعوي حول موقف المسيحيين حيال اليهودية، أصدرتها اللجنة الأسقفية الفرنسية، في 16 نيسان عام 1975، وتقول في الفقرة الخامسة: «باعتبارنا مسيحيين، لا نستطيع أن ننسى الهبة القديمة من الله إلى شعب إسرائيل، بأرض دعي للتجمع فيها...»، غير أن المقصود مخادعة مأساوية تستوعب اليهودية مع الدولة الإسرائيلية والصهيونية، ولاهوت مسيحي عجيب لم يعد يرى في يسوع ـ المسيح وفي الإعلان الشامل للمكلة الله الإنجاز المطلق للوعد (2).
لقد حدد القرآن نسل إبراهيم على نحو أفضل بنداء من الله: «ها أنا ذا»، وقبول الابن المطلق وغير المشروط: «افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين»(3). بهذا الخضوع المطلق لقصد الله، وغير المشروط بأية غاية بشرية، يبدأ نسل إبراهيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاك ماريتين Jaques Martian. Le Mystere d' Israel P. 243.
(2) أنظر الأب جان لاندورزي Pere Jean Landousies: Le don de la terre de.
(3) القرآن السورة 37. الآية 102.


-----[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أدارة الدوايمة
العلاقات العامة
العلاقات العامة
avatar


مُساهمةموضوع: رد: دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية    الأربعاء أبريل 30, 2014 2:53 am

عصارة زيتون القدس وبرتقال يافا وعنب الخليل كريات الدم الفلسطيني الذي لا بنضب .. نضال هديب






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دراسة\أسطورة الحقوق التاريخية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع منتدى الدوايمة الاكتروني al-Dawayima تأسس 27 سبتمبر 2008  :: خيمة فلسطين التاريخية المغتصبة عام 48 :: منتدى تاريخ اليهود والحركه الصهيونيه-
انتقل الى: